فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 524

""""""صفحة رقم 140""""""

عن قبيح ما وجد ، ولم يجز في الحكمة أن يحرم الإنسان هذا مع ما فيه من المواهب السنةي ؛ والمنائح الهنية ، فإن قال قائل: فالملائكة إذن قد حرمت هذه الفضيلة ، فليعلم هذا القائل أن الملك لما خلق كاملًا لم يكلف أن يكمل ويتكامل ويستكمل ، فصار كل شيء يطلبه ويتوقاه سببًا إلى كماله المعد له وغايته المقصودة . فإن زاد فقال: فهلا خلق كاملًا ؟ فليعلم أن كلامه على طريق الجدل ، لا عىل طريق البحث عن العلل ، لأنه قد جهل أنه بالحكمة وجب أن يكون الأمر مقسومًا بين ما يجوز الكمال بالجبلة ، وبين ما يكسب الكمال بالقصد . ولما وجب هذا بالحكمة سرت إليه القدرة ، وساح به الجود ، واشتملت عليه المشيئة ، وأحاطت به الحكمة ، وشاعت فيه الربوبية . وههنا زيادةٌ في شرح الخلق يتم بها الكلام ؛ فليس من الرأي أن يقع الإخلال بذكرها ، لأنها مكشوفة ظاهرة ، وهي أن الإنسان إذا غلبت الحرارة عليه في مزاج القلب يكون شجاعًا بذالًا ملتهبًا ، سريع الحركة والغضب قليل الحقد ، زكي الخاطر ، حسن الإدراك . وإذا غلبت عليه البرودة يكون بليدًا ، غليظ الطباع ، ثقيل الروح . وإذا غلبت عليه الرطوبة يكون لين الجانب ، سمح النفس ، سهل التقبل كثير النسيان . وإذا غلبت عليه اليبوسة يكون صابرًا ، ثابت الرأي ، صعب القبول يضبط ويحتد ، ويمسك ويبخل ؛ وهذا النعت على هذا التنزيل - وإن كان مفهومًا - فأسرار الإنسان في أخلاقه كثيرة وخفية ، وفيها بدائع لا تكاد تنتهي ، وعجائب لا تنقضي ؛ وقد قال الأول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت