فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 174""""""
الليلة الثالثة عشرة
فلما حضرت ليلةً أخرى قال: هات . قلت: إن الكلام في النفس صعب ، والباحثون عن غيبها وشهادتها وأثرها وتأثرها في أطراف متناوحة وللنظر فيهم مجال ، وللوهم عليهم سلطان ، وكل قد قال ما عنده بقدر قوته ولحظه ، وأنا آتي بما أحفظه وأرويه ، والرأي بعد ذلك إلى العقل الناصح والبرهان الواضح . قال بعض الفلاسفة: إذا تصفحنا أمر النفس لحظناها تفعل بذاتها من غير حاجة إلى البدن ، لأن الإنسان إذا تصور بالعقل شيئًا فإنه لا يتصوره بآلة كما يتصور الألوان بالعين والروائح بالأنف ، فإن الجزء الذي فيه النفس من البدن لا يسخن ولا يبرد ولا يستحيل من جهة إلى أخرى عند تصوره بالعقل ، فيظن الظان منا أن النفس لا تفعل بالبدن ، لأن هذه الأمور ليست بجسم ولا أعراض جسمية . وقد تعرف النفس أيضًا الآن من الزمان والوحدة واليقظة ، وليس لأحد أن يقول: إن النفس تعرف هذه الأشياء بحس من الإحساس ، ففعل النفسي إذن يفارق البدن ، وتأليف البرهان أن يكون على أن يقال: للنفس أفعال تخصها خلوٌ من البدن ، مثل التصور بالعقل ، وكل ما له فعل يخصه دون البدن فإنه لا يفسد بفساد البدن عند المفارقة . وقال أيضًا: وجدنا الناس متفقين على أن النفس لا تموت ، وذلك أنهم يتصدقون عن موتاهم ، فلولا أنهم يتصورون أن النفس لا تموت ، ولكنها تنتقل من حال إلى أخرى إما إلى خير وإما إلى شر ؛ ما كانوا يستغفرون لهم ، وما كانوا يتصدقون على موتاهم ويزورون