فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 524

""""""صفحة رقم 211""""""

ثم كر الحريري كر المدل وعطف عطفة الواثق بالظفر ، فقال: يا أبا سليمان ، من هذا الذي يقر منكم أن عصا موسى انقلبت حية ، وأن البحر انفلق ، وأن يدًا خرجت بيضاء من غير سوء ، وأن بشرًا خلق من تراب ، وأن آخرته ولدته أنثى من غير ذكر ، وأن نارًا مؤججةً طرح فيها إنسانٌ فصارت له بردًا وسلامًا ، وأن رجلًا مات مائة عامٍ ثم بعث فنظر إلى طعامه وشرابه على حاليهما لم يتغيرا ، وأن قبرًا تفقأ عن ميتٍ حيى ، وأ طينًا دبر فنفخ فيه فطار ، وأن قمرًا انشق ، وأن جذعًا حن ، وأن ذئبًا تكلم ، وأن ماءً نبع من أصابع فروى منه جيشٌ عظيم ، وأن جماعةً شبعت من ثريدةٍ في قدر جسم قطاة ؟ وعلى هذا ، إن كنتم تدعون إلى شريعة من الشرائع التي فيها هذه الخوارق والبدائع فاعترفوا بأن هذه كلها صحيحة ثابتة كائنة لا ريب فيها ولا مرية ، من غير تأويل ولا تدليس ، ولا تعليل ولا تلبيس ، وأعطونا خطكم بأن الطبائع تفعل هذا كله ، والمواد تواتى له ، والله تعالى يقدر عليه ؛ ودعوا التورية والحيلة والغيلة والظاهر والباطن ، فإن الفلسفة ليست من جنس الشريعة ، ولا الشريعة من فن الفلسفة ، وبينهما يرمي الرامي ويهمي الهامي ؛ على أنا ما وجدنا الديانين من المتألهين من جميع الأديان يذكرون أن أصحاب شرائعهم قد دعوا إلى الفلسفة وأمروا بطلبها واقتباسها من اليونانيين هذا موسى وعيسى وإبراهيم وداود وسليمان وزكريا ويحيى إلى محمد ( صلى الله عليه وسلم ) لم نحق من يعزو إليهم شيئًا من هذا الباب ، ويعلق عليهم هذا الحديث . قال الوزير: ما عجبي من جميع هذا الكلام إلا من أبي سليمان في هذا الاستحقار والتغضب ، والاحتشاد والتعصب ؛ وهو رجل يعرف بالمنطقي ، وهو من غلمان يحيى بن عدي النصراني ، ويقرأ عليه كتب يونان ، وتفسير دقائق كتبهم بغاية البيان . فقلت: إن أبا سليمان يقول: إن الفلسفة حقٌ لكنها ليست من الشريعة في شيء ، والشريعة حقٌ لكنها ليست من الفلسفة في شيء ، وصاحب الشريعة مبعوث ، وصاحب الفلسفة مبعوث إليه ، وأحدهما مخصوص بالوحي ، والآخر مخصوص ببحثه ، والأول مكفي ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت