فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 82""""""
فليستحي الجيهان بعد هذا البيان والكشف والإيضاح ، بالإنصاف من القذع والسفه اللذين حشا بهما كتابه ، وليرفع نفسه عما يشين العقل ، ولا تقبله حكام العدل ؛ وصاحب العلم الرصين ، والأدب المكين ؛ لا يسلط خصمة على عرضه بلسانه ، ولا يستدعي مر الجواب بتعرضه ويرضى بالميسور في غالب أمره ؛ فإن العصبية في الحق ربما خذلت صاحبها وأسلمته ؛ وأبدت عورته ، واجتلبت مساءته ؛ فكيف إذا كانت في الباطل ونعوذ بالله أن نكون لفضل أمة من الأمم جاحدين ، كما نعوذ به أن نكون بنقص أمة من الأمم جاهلين . فإن جاحد الحق يدل من نفسه على مهانة ، وجاهل النقص يدل من نفسه على قصور ؛ فهذا هذا ؛ وفي الجملة المسلمة ، والدعوة المرسلة ، أن أهل البر وأصحاب الصحارى الذين وطأؤهم الأرض ، وغطاؤهم السماء ، هم في العدد أكثر وعلى بسيط الأرض أجول ، ومن الترفه والرفاهية أبعد ، وبالحول والقوة أعلق وإلى الفكرة والفطنة أفزع ، وعلى المصالح والمنافع أوقع ، ومن المخازي آنف وللقبائح أعيف ؛ وهذا للدواعي الظاهرة ، والحاجات الضرورية ، والعلائق الحاضة على الألفة والمودة ، والشدائد المؤذية ، والعوارض اللازبة ؛ ولهذا يقال: عيب الغني أنه يورث البلادة ، وفضيلة الفقر أنه يبعث الحيلة ؛ وهذا معنىً كريم ، لا يقر به إلا كل نقاب عليم . وقال الجيهاني أيضًا: مما يدل على شرفنا وتقدمنا وعزنا وعلو مكاننا ، أن الله أفاض علينا النعم ووسع لدينا القسم وبوأنا الجنان والأرياف ، ونعمنا وأترفنا . ولم يفعل هذا بالعرب ، بل أشقاهم وعذبهم ، وضيق عليهم وحرمهم ، وجمعهم في جزيرة حرجة ، ورقعة صغيرة ، وسقاهم بأرنق ضاحٍ ؛ وبهذا يعلم أن المخصوص بالنعمة والمقصود