فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 83""""""
بالكرامة فوق المقصود بالإهانة . فأطال هذا الباب بما ظن أنه قد ظفر بشيء لا جواب عنه ، ولا مقابل له ؛ ولو كان الأمر كما قال لما خفي على غيره وتجلى له ، بل قد خصت العرب بعد هذا بأشياء تطول حسرة من فاتته عليها ، ولا يفيد التفاته بالغيظ إليها ؛ وقد دل كلامه على أنه جاهل بالنعمة ، غافلٌ عما هو سر الحكمة . وعنده أن الجاهل إذا لبس الثوب الناعم ، وأكل الخبز الحواري وركب الجوادي ، وتقلب على الحشية ، وشرب الرحيق ، وباشر الحسناء ، هو أشرف من العالم إذا لبس الأطمار ، وطعم العشب ، وشرب الماء القراح ، وتوسد الأرض ، وقنع باليسير ورخي العيش ، وسلا عن الفضول ؛ هذا خطأ من الرأي ، ومردود من الحكم ، عند الله تعالى أولًا ، ثم عند جميع أهل الفضل والحجا ، وأصحاب التقى والنهى ؛ وعلى طريقته أيضًا أن البصير أشرف من الأعمى ، والغني أفضل من الفقير . ألا يعلم أن المدار على العقل الذي من حرمه فقد أنقص من كل فقير ، وعلى الدين الذي من عري منه فهو أسوأ حالًا من كل موسر ؛ ونعمة الله على ضربين: أحد الضربين عم به عباده ، وغمر بفضله خليقته ، بدءًا بلا استحقاق وذلك أنه خلق ورزق وكفل وحفظ ونعش وكلأ وحرس وأمهل وأفضل ووهب وأجزل ؛ وهذا هو العدل المخلوط بالإحسان ، والتسوية المعمومة بالتفضل والقدرة المشتملة على الحكمة ؛ والضرب الثاني هو الذي يستحق بالعمل والاجتهاد والسعي والارتياد ، والاختبار والاعتقاد ؛ ليكون جزاءً وثوابًا ، ولهذا محرم العاصي المخالف ، وأنال الطائع الموافق ؛ فقد بان الآن أن المدار ليس بالجنان والترفه ، ولا بالذهب والفضة ، ولا الوبر والمدر . وقد مر هذا الكلام كله فليسكن من الجيهاني جأشه ، وليفارقه طيشه ؛ وليعلم