فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 524

""""""صفحة رقم 93""""""

بفروعها ، وآيات من القرآن مضمومةً إلى سعته فيها ، وأخبارًا كثيرة مختلفة في فنون شتى لتكون عدة عند الحاجة إليها ، مع الأمثال السائرة والأبيات النادرة ؛ والفقر البديعة ؛ والتجارب المعهودة ، والمجالس المشهودة ، مع خط كتبر مسبوك ، ولفظٍ كوشيٍ محوك ؛ ولهاذ عز الكامل في هذه الصناعة ، حتى قال أصحابنا: ما نظن أنه اجتمع هذا كله إلا لجعفربن يحيى فإن كتابته كانت سودايةً ، وبلاغته سحبانيةً ، وسياسته يونانية ، وآدابه عربية ، وشمائله عراقية ؛ أفلا يرى كيف غرق الحساب في غمار هذه الأبواب ؟ ثم اعلم أن البليغ مشتملٍ بلاغته من العقل ، ومأخذه فيها من التمييز الصحيح ، وليس كذلك الحساب في متناوله فلو ظن ظان بأن مدار الملك على الحساب - فهو صحيح - ولكن بعد بلاغة المنشىء ، لأن السلطان يأمر وينهى ويلاطف ويخاطب ويحتج وينصف ويوعد ويعد ويضمن ويمني ويعلق الأمل ويؤكد الرجاء ويحسم المادة الضارة ويذيق الرعية حلاوة العدل ويجنبهم مرارة الجور ، ثم يجبي ، فإذا جبى احتاج إلى الحساب حتى يكون بالحاصل عالمًا ، ثم يتقدم بتوزيع ذلك على الحساب حتى يكون من الغلط آمنًا ، فانظر إلى المنزلتين كيف اختلفتا ؟ وكيف حصلت المزية لإحداهما ؛ ولو أنصفت لعلمت أن الصناعة جامعة بين الأمرين ، أعني الحساب والبلاغة ؛ والإنسان لا يأتي إلا صناعة فيشقها نصفين ويشرف أحد النصفين على الآخر . وأما قولك: إحدى الصناعتين هزلٌ والأخرى جد فبئسما سولت لك نفسك على البلاغة ، هي الجد ، وهي الجامعة لثمرات العقل ، لأنها تحق الحق وتبطل الباطل على ما يجب أن يكون الأمر عليه ؛ ثم تحقيق الباطل وإبطال الحق لأغراض تختلف ، وأغراض تأتلف ، وأمورٍ لا تخلو أحوال هذه الدنيا منها من خير وشر ، وإباءٍ وإذعان ، وطاعةٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت