ومنهم العقاد في كتابه الديمقراطية في الإسلام (ص 69) ، والدكتور علي حسني الخربوطلي في كتابه الإسلام والخلافة (ص 42) ، وتجرأ على رمي الأحاديث المذكورة بالوضع.
ومنهم الدكتور صلاح الدين دبوس في كتابه الخليفة توليته وعزلة (ص 270) ، وذهب إلى أن هذه الأحاديث مجرد أخبار.
ومنهم الأستاذ محمد المبارك رحمه الله وعفا عنه واعتبرها من باب السياسة الشرعية المتغيرة بتغير العوامل. انظر: نظام الإسلام في الحكم والدولة (ص 71) .
واستدل من ذهب إلى نفي اشتراط القرشية بما يلي، وسأذكر كل دليل، ثم أتبعه بالرد:-
1)بقول الأنصار يوم السقيفة (منا أمير ومنكم أمير) ، قالوا: فلو لم يكن الأنصار يعرفون أنه يجوز أن يتولى الإمامة غير قرشي لما قالوا ذلك.
الرد: الاستدلال بهذا القول واضح البطلان، وذلك لرجوعهم رضي الله عنهم عن هذا القول في تلك اللحظة بعد أن سمعوا النص الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو بكر رضي الله عنه في قوله: ولقد علمت يا سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأنت قاعد: قريش ولاة هذا الأمر .. الحديث، فيحتمل أنهم قالوا هذا القول قبل أن يعرفوا النص الذي يثبت الخلافة في قريش ولهذا رجعوا إلى رشدهم فما عرفوا الحقيقة.
2)ومن أدلتهم أيضًا: ما أخرجه البخاري في صحيحه (13/ 121) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه ربيبة. فالحديث أوجب الطاعة لكل أمام وإن كان عبدًا، فدل على عدم اشتراط القرشية.
الرد: المراد بالعبد في هذا الحديث كما استنبط العلماء هو إمامة المتغلب أو الإمارة الصغرى على بعض الولايات، أو لأجل المبالغة في الأمر بالطاعة وضربه مثلا. انظر: فتح الباري (13/ 122) وأضواء البيان (1/ 56) .
3)واستدلوا أيضًا بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته .. وإن أدركني أجلي وقد مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل. المسند (1/ 18) وقال عن الحافظ ابن حجر رجاله ثقات (13/ 119) ولكن في إسناده انقطاع لأن شريح بن عبيد تابعي متأخر لم يدرك عمر، وكذلك راشد بن سعد الحمصي لم يدرك عمر، فالحديث ضعيف لانقطاعه. انظر المسند تحقيق أحمد شاكر (حديث رقم(108) (1/ 201) . ومن المعروف أن معاذ بن جبل أنصاري لا نسب له في قريش. انظر الإصابة (9/ 219) ، فدل على الجواز، كما روى عنه رضي الله عنه أنه قال: لوأدركني أحد رجلين ثم جعلت هذا الأمر إليه لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة وأبو عبيدة بن الجراح. المسند (1/ 20) وصحح الأستاذ أحمد شاكر إسناده. انظر: المسند رقم (129) .
الرد: فبالرغم من ذكر العلة التي في الحديث، فإنه يقال أيضًا: إن هذا الأمر لم يتم، وإنما رشح عمر ستة قرشيين اختارهم وقال: (ليختاروا أحدهم) ، وأيضًا لو ثبت ذلك فإن النص مقدم على قول الصحابي وإن بلغ من الفضل ما بلغ، ولعله اجتهاد من عمر رضي الله عنه ثم تراجع عنه إلى النص، وقد أجاب الحافظ ابن حجر في الفتح على هذا الاعتراض باحتمالين هما:-
أ) إما أن يكون الإجماع انعقد بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشيًا.
ب) وإما أن يكون قد تغير اجتهاد عمر في ذلك.
قلت: وإما أن يريد من قوله ذلك الولاية الصغرى، أي على أحد الأقاليم، وهذا لا يشترط فيه النسب اتفاقًا، هذا على افتراض صحة الحديث وإلا فقد سبق أن بينا ضعفه لانقطاع سنده فلا يصلح للاحتجاج به.