الصفحة 3 من 13

و من المُحْدَثين الشيخ محمد رشيد رضا، حيث قال: أما الإجماع على اشتراط القرشية فقد ثبت بالنقل والفعل، رواه ثقات المحدّثين واستدل به المتكلمون وفقهاء مذاهب السنة كلهم، وجرى عليه العمل بتسليم الأنصار وإذعانهم لبني قريش، ثم إذعان السواد الأعظم من الأمة عدة قرون .. انظر: الخلافة أو الإمامة العظمى (ص 19) .

و لكن الحافظ ابن حجر يعترض على هذا الإجماع بقوله: قلت: ويحتاج من نقل الإجماع إلى تأويل ما جاء عن عمر من ذلك، فقد أخرج أحمد عن معمر بسند رجاله ثقات أنه قال: إن أدركني أجلي وقد مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل .. الحديث. ومعاذ بن جبل أنصاري لا نسب له في قريش، فيحتمل أن يقال: لعل الإجماع انعقد بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشيًا، أو تغير اجتهاد عمر في ذلك والله أعلم. انظر: الفتح (13/ 119) . والواقع أنه لا يرجع إلى التأويل إلا إذا صح الخبر في مخالفة عمر للإجماع، ولكن هذا الأثر ضعيف لانقطاعه، وسيأتي الكلام عليه قريبًا.

نكمل اليوم ما بدأناه في الحلقة الماضية ومع أدلة القائلين بعدم اشتراط القرشية في الإمامة وأدلتهم في ذلك ..

أول من قال بعدم اشتراط القرشية الخوارج الذين خرجوا على علي رضي الله عنه، إذ جوزوا أن تكون الإمامة في غير قريش، وكل من نصبوه برأيهم وعاشر الناس على ما مثلوا له من العدل واجتناب الجور كان إمامًا. انظر: الملل والنحل (1/ 116) .

وزعم ضرار بن عمرة من شيوخ المعتزلة أيضًا أن الإمامة تصلح في غير قريش، حيث قال: حتى إذا اجتمع قرشي ونبطي قدمنا النبطي إذ هو أقل عددًا وأضعف وسيلة فيمكننا خلعه إذا خالف الشريعة. انظر: الملل والنحل (1/ 91) .

قال الشهرستاني: والمعتزلة أي جمهورهم وإن جوزوا الإمامة في غير قريش، إلا أنهم لا يجيزون تقديم النبطي على القرشي. الملل والنحل (1/ 91) .

وزعم الكعبي أن القرشي أولى بها من الذي يصلح لها من غير قريش، فإن خافوا الفتنة جاز عقدها لغيره. انظر: أصول الدين (ص 275) .

ومن الأشاعرة إمام الحرمين الجويني حيث مال إلى عدم اشتراطه، وزعم أنه من أخبار الآحاد، وهو على مذهبه الباطل في عدم الاحتجاج بخبر الآحاد لا يحتج به في مثل هذه المسائل حيث قال: وهذا مسلك لا أوثره، فإن نقلة هذا الحديث معدودون لا يبلغون مبلغ عدد التواتر، والذي يوضح الحق في ذلك أنا لا نجد في أنفسنا ثلج الصدور واليقين المثبوت بصدد هذا من فلق في رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما لا نجد ذلك في سائر أخبار الآحاد، فإذًا لا يقتضي هذا الحديث العلم باشتراط النسب في الإمامة. انظر: غياث الأمم (ص 163) .

وقال في كتابه الإرشاد (ص 427) : وهذا مما يخالف فيه بعض الناس وللاحتمال فيه عندي مجال، والله أعلم بالصواب.

وقد اختلف قول أبي بكر الباقلاني، فاشترط القرشية في كتابه الإنصاف (ص 69) فقال: ويجب أن يعلم أن الإمامة لا تصلح إلا لمن تجتمع فيه شرائط، منها: أن يكون قرشيًا لقوله صلى الله عليه وسلم الأئمة من قريش.

ولم يشترطها في كتابه التمهيد حيث قال: إن ظاهر الخبر لا يقضي بكونه قرشيًا، ولا العقل يوجبه. نقلًا عن الصواعق المحرقة للهيتمي (ص 9) .

وإلى نفي اشتراط القرشية ذهب أكثر الكتاب المحدَثين، منهم: الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه تاريخ المذاهب الإسلامية (1/ 91) ، حيث ذهب إلى أن الأحاديث الواردة مجرد أخبار لا تفيد حكمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت