فهرس الكتاب
ولعل الكثيرين كانوا يحسبون هذا التصرف مدنيا بحتا بل ربما ظنوه منقولا نقلا حرفيا عن بعض"سلخانات باريس"وهذا من الأخطاء الفاضحة في فهم طبيعة التشريع الإسلامى التى ترد هذا التصرف وأمثاله إلى باب المصالح المرسلة المعروف جيدا في كتب الفقه القديمة. كذلك وجدت وثيقة حكم شرعى من قاضى أسيوط خلاصتها"أن القاضى تلقى بلاغا عن حادثة معينة ثبت من التحقيق فيها كذبها فحكم القاضى على مقدم البلاغ بعقوبة الحبس وتعويض مالى..". وهذه القضية، كسابقتها، رجعت فيها المحكمة الشرعية إلى مصادرها في الفتوى، فكان حكمها مشابها لما نظنه الآن وليد التشريعات العصرية الحديثة وما هو إلا الإسلام الحكيم يؤخذ منه كل إصلاح، ولا يحتاج أبناؤه إلى تسول الإصلاحات من هنا ومن هناك. من البداهات أن نعرف أن النصوص الجزئية ليست هى جملة الفقه الإسلامى الزاخر، بل إنه إلى جانب ذلك توجد الأصول الجامعة، والقواعد العامة التى ترد إليها الحوادث المتجدد، وتعرف منها الأحكام التى لا تتقيد بمكان ولا زمان. هذه المبادئ الكلية الثابتة في الإسلام من أهم دعائمه التشريعية، ومن أسباب صلاحيته الذاتية للعصور كلها، وهى التى تتيح للقاضى استعمال القياس، والنظر إلى المصالح فيما يعرض له من شئون الناس، وهى منبع النظريات القانونية التى تصاغ على ضوئها المواد، وتصدر المراسيم والقوانين. وقد استند إليها الصحابة والتابعون منذ العصر الأول. وحبذا لو أضيف إلى متحف المحاكم الشرعية الحكم الذى أصدره عمر بشق ترعة في أرض مملوكة لأحد المسلمين، وقد اعتمد في حكمه على صاحب الأرض بأن ذلك لا يضره، على حين أنه ينفع غيره من الناس، ومرجع الحكم في ذلك إلى المصالح المرسلة!! وهى وغيرها ليست إلا مجموعة من المبادئ المرنة أخذت أخذا من كتاب الله وسنة رسوله. وفى مقدمة هذه المبادئ مثلا دفع الضرر. وسد الذرائع، ورفع الحرج. وترك الريبة. وتقرير العدل. وسؤال أهل الذكر- أى الرجوع إلى