الصفحة 115 من 212

الثعالب من البشر زعموا أن الثعلب أراد مرة أن يختطف عنقودا من العنب فأعياه أمره وأحس بالعجز عنه، فارتد وهو يقول: إنه حامض! وتحقير الشىء الذى لا يستطاع إدراكه شيمة الطبائع الخسيسة في البشر. وهو الذى أوحى إلى المشركين قديما أن يطعنوا في المؤمنين، وأن يستهينوا بقيمة الدين الذى اعتنقوه قائلين: (لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم) أى أنه عنب حامض! هذه الثعلبية متفشية بيننا تفشيا واسعا، ما أن تبرز العمل العظيم حتي تجد نظرات البرود محيطة به، فإذا أثرت حديثا حوله وجدت هذا يهز كتفيه استخفافا. وهذا يكاد يقول لك: إن كثرة مشاغلى هى التى منعتنى عن أن أقوم بخير منه! وهذا يمسح جبهته الذكية ثم يتثاءب مؤثرا البعد عن هذه التوافه!. ولولا أن عظائم الأمور تندفع بقوتها الذاتية لماتت في هذه الأجواء الخانقة. ليت شعرى ماذا يخسر الناس إذا أعطوا كل ذى فضل فضله؟ لا شىء!! ولكن اضطراب مقاييس الكفاية عندنا أدى إلى فوضى في التقدير تركت طابعها في أعمالنا وأخلاقنا. فالذين يحترمون الملبس الفخم لا يفتحون عيونهم على غيره، والذين يخشعون للألقاب الضخمة لا يفتحون مسامعهم إلا لاسم بين يديه لقب ومن ورائه لقب، والذين يركعون للمال لا يرمقون بالتجلة إلا رجلا يتكلم معه دخله أو مرتبه حين يتكلم، وهكذا تتوارى الحقائق في أكفان المظاهر المادية الصغيرة! ونتيجة هذه الأخطاء المتعمدة أن كفايات كثيرة تميت في هذه البيئات الحاقدة، كما تموت الأزهار الغضة في التربة الجدبة، لا تجد خصبا يغذيها، ولا ريا ينميها. مع أننا في الشرق الإسلامى بحاجة ماسة إلى مواهب كل ذى موهبة ونبوغ، ونتيجة أخرى ص _116

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت