الصفحة 116 من 212

لا تقل شرا: هى أن القاصرين والمقصرين يفسح لهم المجال الذى خلا من أصحابه الجديرين به. والويل للأم التى يتقدم فيها أغبياؤها بالوسائط المفتعلة من مال أو جاه، ويتأخر فيها أذكياؤها المضيعون. *** أجل.. البلد الذى يحارب فيه الذكاء لا تقوم له قائمة، ولا تعلو له راية، فإن حق الذكاء أن يشجع ويدفع إلى الأمام، لا أن يخذل ويوارى بريقه. وما لاحظت آنفا في كثير من المجتمعات والبيئات ظاهرة جديرة بالتنديد والازدراء، فما أسوأ الغض من ذوى المواهب، وقلة الاكتراث بهم! وشر من ذلك أن يقلد الرجل في عمل ثم تجحد مكانته فيه، ويكون أول من جحدوه هم أول من تعلموا منه وقلدوه..! في ميادين العلم والأدب والفن، بل في ميادين التمثيل والغناء واللهو واللعب، وجدت رجالأ لهم فضل الرواد المكتشفين في النواحى التى يعملون بها، ذللوا صعبها، وقربوا بعيدها، واستأنسوا غريبها، وقدموا للجمهور الخير العظيم منها، وشعرت الأفئدة بمدى جهدهم وإنتاجهم فيها، ثم ما هى إلا أيام حتى يتبعهم في هذه الميادين الممهدة - بفضلهم- أقوام أقل دراية، فيزاحمونهم بالمناكب، ويريدون أن ينفردوا دونهم بالتقدير والتكريم. من قديم شعر المتنبى بأولئك المزاحمين المهازيل فقال معلنا سخطه عليهم: أفى كل يوم تحت ضبنى شويعر ضعيف يقاوينى قصيريطاول؟ لسانى منطقى صامت عنه عادل وقلبى بصمتى ضاحك منه هازل وما الكبر دأبى فيهم غير أننى بغيض إلى الجاهل المتعاقل ثم هو يرى أن يحرم هؤلاء المزاحمون مما يؤملون فيه من جوائز وأعطية، وأن يمنح هو الثمن على ما يقولون من مدائح! ولذلك يقول لسيف الدولة: أجزنى إذا أنشدت شعرا، فإنما بشعرى أتاك المادحون مرددا ودع كل صوت بعد صوتى فإننى أنا الطائر المحكى والآخر الصدى! ص _117

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت