فهرس الكتاب
وتكون الخلاصة أن هذه المتاعب هى وحدها سبيل التفاوت والتفاضل، ومحك المبادئ والفضائل، وهى كذلك الأحجار التى يتعثر فيها الضعاف فيسقطون، وينتهى عندها الأدعياء فيقفون: لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقر والإقدام قتال والقرآن الكريم يعرف أبناءه صورة هذه الحياة على حقيقتها، ويبصرهم بمتاعبها، ولا يهون من قيمتها، ويذكرهم بأن هذه المتاعب مفروضة- بقدر مشترك- على الكافرين وعلى المؤمنين! لابد لكلا الفريقين من أن يتعب ويكافح ويتحمل: (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت) . فلا ناصر الكفر- كما ترى- مراح من أعبائه، ولا ناصر الإيمان مراح من هذه الأعباء. فمن الحمق الفرار من متاعب الحياة، لأنها ستلاحق من لا يواجهها وتفرض نفسها عليه طوعا أو كرها. قال لى صديق: إن الاختيار الإلهى يصل إلى أن يوضع العنق تحت السكين في انتظار الذبح. قلت له: إذن ينبغى ألا يزيغ اليقين ولو تحت حد السكين!. قال: وفى ثباته يكون الفرج العاجل. * * * إن الله عز وجل يحب أن يخذل الباطل بقوة أنصار الحق وتضحياتهم، وأن ينصر الحق بما يسوقه أهله بين يديه من مغارم الدم والمال، وعلى هذا القانون دارت المعركة من الأزل بين الحق والباطل! فالجهد البشرى المبذول من كلا الفريقين هو الذى يقرر المصير ويحدد النهاية، ولا يحب القدر أن يتدخل في أدوار المعركة لمصلحة أحد الخصمين قبل أن يطبق عليهما قانونه العتيد، وقبل أن يستنفد الكفاح المر من طرفيه المتصارعين آخر ما في طاقتهما من جهد، وآخر ما في جعبتهما من صبر. ص _129