الصفحة 129 من 212

والمعجزات التى أيدت الأنبياء في دعواتهم، ووضعت بذرة البقاء في رسالاتهم خضعت هى نفسها لهذا القانون. فالعصمة لا تنافى المحنة، وضمان السماء لا يمنع ابتلاء الأرض، وقد كان الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، يواجه أخطار الهجرة وينزل على قوانين الأسباب والمسببات عندما كان يتوارى نهارا ويسير ليلا، وعندما كان يمحو من خلفه الآثار التى تدل على وجهته. ذلك كله في الوقت الذى أيده الله بجنود لم تروها، وبث في طريقه من الخوارق ما نعرف وما لا نعرف! ومن غفلة المؤمنين أن يتناسوا هذه الحقيقة وأن ينتظروا من قوانين الوجود أن تحابيهم في كفاح، أو أن تتملقهم لأنهم أصحاب صلاة وصيام! فإذا احتدمت المعركة بين الحق والباطل حتى بلغت ذروتها، وقذف كل فريق بآخرما لديه ليكسبها، فهناك ساعة حرجة يبلغ الباطل فيها آخر قوته، ويبلغ الحق فيها أقصى محنته، والثبات في هذه الساعة الشديدة هو نقطة التحول، والامتحان الحاسم لإيمان المؤمنين يبدأ عندها. فإذا ثبت تحول كل شىء عندها لمصلحته. وهنا يبدأ الحق طريقه صاعدا، ويبدأ الكفر طريقه نازلا، وتقرر باسم الله النهاية المرتقبة... وانظر كيف كان المهاجران قاب قوسين أو أدنى من الموت في الغار، وكيف كان إسماعيل قاب قوسين أو أدنى من الذبح، وكيف وصل الابتلاء بموسى وقومه لما طارده فرعون وجنده: (فأتبعوهم مشرقين * فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون * قال كلا إن معي ربي سيهدين * فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم * وأزلفنا ثم الآخرين * وأنجينا موسى ومن معه أجمعين) . ألا فليؤد المسلمون واجبهم ثم لينتظروا نصر الله. ألا فليواجهوا الأخطار والمخاوف، ثم ليرتقبوا الفوز. أما قبل ذلك فليس في الدنيا مكان للاهين واللاعبين. *** ص _130

* فريقان..!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت