فهرس الكتاب
ولكن الميادين التى تحفل بهؤلاء هى ميادين الهزيمة، لا ميادين الشرف.. وعلى كل مجتمع يريد أن يدعم أركانه، بل على كل صف يريد أن يحفظ كيانه أن ينفى هذا الخبث عنه. فما ابتلى الشرق في نهضاته الأخيرة إلا لأن المعوقين والمهرجين وجدوا المجال لنفث سمومهم، بل وجدوا الفرصة لإقصاء العاملين الصامتين، والشهداء المجهولين. * * * * في الإصلاح: محاولة إصلاح الكبار وتنشئتهم على أخلاق جديدة جهد ضائع، أو جهد أكبر كثيرا من نتائجه، فإن الخلل العقلى عند هؤلاء يشبه الكسور التى التحمت على عاهة مستديمة أو تشويه لازم، فليس هناك موضع لجراحات التجميل والتعديل، ولن يصلح العطار ما أفسد الدهر. والجهد النافع حقا هو تلقف الناشئة وهى غضة الإهاب، بيضاء الصحيفة ثم حياطتها بدروس العلم والتربية والتوجيه السديد حتى تشب على ما قدر لها من نضج واكتمال. ولذلك لم أكترث كثيرا لما تبذله الحكومة من جهود تافهة أو كبيرة لمحو الأمية. فما غناء ذلك؟ إن المقصود من التعليم ليس أن يخط التلميذ حرفا أو يقرأ كلمة، بل إن القراءة والكتابة ليست إلا وسيلة للثقافة التى تفتق الأذهان، وتنمى المواهب، ترفع النظر إلى حقيقة الوجود وتجعل المرء يبنى نفسه بناء راسخا سامقا، ويصوغ في الحياة أمله وعمله، على نور وبصيرة.. وموضع هذا كله في ربيع العمر لا خريفه. ولو أن الحكومة عنيت بتكوين الجيل الجديد، وفتح آلاف الفصول له لكان ذلك أدنى إلى الرشد من فتح الفصول لمحو الأمية بين الشيوخ والعجزة الذين لا جدوى من تعليمهم القراءة والكتابة، لأنه لا جدوى من استغلال هذا التعليم في تثقيفهم، وإحياء ما مات من مواهبهم، أو تعديل ما وقر في أذهانهم من أفكار نحو الحياة والمبادئ والعقائد والأشخاص. إذا المرء أعيته المروءة ناشئا فمطلبها كهلا عليه شديد ص _132