فهرس الكتاب
إن الأجيال المدبرة لها تقاليدها التى شبت عليها، ولها أساليبها في العيش، وهى أساليب اختلطت بدمها فلا فكاك منها. ونقل هؤلاء إلى دعوة جديدة، وإلى حضارة جديدة ضرب من المعجزات، وغاية ما يرجى منهم أن ينفذوا أمرا مجردا، كما تنفذ السيارات أوامر المرور المحدودة بالوقوف أو الانطلاق، وهذه الأوامر لا صلة لها بتعديل الطباخ والعقول. والشرق الإسلامى يحتاج في نهضته إلى نظام يشرف على رجال المستقبل من نعومة أظافرهم، وإلى استنبات سلالات جديدة من الأجيال التى تترعرع بين أفياء المعرفة والتربية والثقافة الواسعة. ذاك إن أردنا تكوينا صحيحا لأمة حية قوية. وإنه لمن الحزن أن نعالج أمورنا من غير هذه السبيل. وإذا ارتبت في هذه الحقيقة فسل من جربوا معنا وعظ المسنين والمستضعفين من قعدة المساجد . * * * * نسبية! لا أدرى أهى طبيعة في وحدى أم في غيرى من الناس كذلك؟ وعلى كل حال فهى طبيعة سيئة يجب إصلاحها، وذلك أنى أحب إذا لم أدرك الشىء كله أن أتركه كله، وإذا وجدت شيئا كثير الكمال قليل النقص كان شعورى بنقصه أضعاف شعورى بكماله. وقد ينغصنى القذى من صديق، كما ينغصنى الأذى من عدو... ولا أذهب كثيرا في سرد الأمثال، فإن المهم لفت النظر إلى أن مثل هذا التطرف في إدراك الأشياء ومعالجتها يشق كثيرا، ويضايق صاحبه كما يضايق الناس منه، فضلا عن أنه مجاف للحق والصواب. فإن شئون الحياة نسبية كلها، قلما يوجد فيها خير محض أو شر محض، وطبائع الأشياء ومعادن الناس من طبائع هذه الأرض ومعادنها، فالذهب لا يعثر عليه خالصا من الشوائب الرخيصة، لكنه على كل حال ذهب، والحديد لا يوجد إلا مقرونا بشتى الأخلاط، ولكنه لا يرمى ولا يهمل بل ينقى وينتفع به، ومعانى الحياة كمعادن الأرض لا يجوز أن ننتظر وجودها بين أيدينا مصفاة من كل شائبة، مبرأة من كل عيب، بل سيقترن الخير بالشر، ويقترن الطيب ص _1 ص