فهرس الكتاب
الفخمة، والذين يجرون أقدامهم جرآ في سبيل لقمة العيش القفار، والذين يقضون لياليهم الحمر على الكاس والطاس، وبين الأذرع البضة والصدور الناعمة، والذين يقضون لياليهم على التأوهات والتوجعات والشكايات، بعد نهار طال انحناؤهم فيه على الفؤوس واستنزفوا فيه دماءهم وعافيتهم عرقآ شربته الأرض فأخرجته ذهبا نضارا يملأ جيوب المترفين الناعمين. في هذا البلد المنكوب يا سيدى لابد لنا من الصراخ، الصراخ القوى الذى يخرق الآذان والقلوب بضرورة الزهد المادى، فنحن أحوج إليه من كل شىء آخر، واسمح لى أن أسألك يا سيدى: هل صحيح أن هذه البارات والكباريهات، والسينمات، والسيارات، والطيارات والسباحات، والبلاجات ومكيفات الهواء، وما ينحر كل يوم في بيوت السادة الأغنياء، وغير هذا من كل متع الجسم والعاطفة.. هل كل هذا لا يكلف سوى بضعة مليمات أو قروش؟! وهل صحيح أن المجتمع لا يتكلف لإطفاء الشهوة العاتية سوى تقديم امرأة أو أكثر؟! أو أن ذلك يكلف المجتمع الزوال والهدم والضياع، إذا لم يتحصن البشر بالزهد والقناعة، وتعاليم الله وهدى رسوله الكريم. وهل غاب عنا المجتمع الفرنسى الذى هدمته الإباحية وإشباع النفس والبطن والعاطفة والشهوة؟ ثم ألا ترى يا سيدى أنك لا تستطيع أن تزهد الناس فى"شهوات الظلم والكبرياء المستبدة والأثرة المفرطة والاستعلاء والرياء والقسوة"إلا إذا ناديت باستئصال الداء من الجذور، فعلمت الناس، ودعوتهم إلى الزهد في إشباع النفس والبطن، وما يجره هذان من موبقات، فإذا استطاع الزهد النفسى والجسمى أن يتغلغل في الصدور والأجسام، هون علينا ذلك مئونة ما فوقهما من آثام وشرور. ألا ترى معى يا سيدى أنه حرام أن يتمتع بزينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق فريق، وفريق يأكل الثرى من الظمأ والجوع والحرمان. وإنه لخير لنا أن نجتذب الشباب بذلك النور الذي يشع في صدور المؤمنين، وبتلك الراحة والسكينة التى تفيض قلوب عباد الله