فهرس الكتاب
الخالصين، وبالمتعة الخالصة واللذة العميقة السامية التى تغمر أرواح الموحدين العاملين. خير لنا هذا من أن نغريهم بالتسامح في انتهاب طيبات الرزق، والكثرة من إخواننا يتعذبون ويألمون . ص _162
كان هذا التعليق مفاجأة لى لم تقع في حسبانى إلا أنى سررت بها، واتسع لها صدرى بقدر ما اتسع لها فكرى، وأبادر القول مطمئنا الأخ الأديب بأنه يكاد لا يوجد خلاف بيننا، فإن ما يهدف إليه في كلمته لا يناقض ما أدعو إليه، ذلك أنه لا علاقة بين الاستهانة بالزهد المادى وبين إقرار العدالة الاجتماعية الواجبة هناك- كما يقول الأخ- الشاكون من التخمة والشاكون من المخمصة. والعدالة الاجتماعية ليست في تجويع الفريقين، ولكن تساق إليهما خيرات الأرض على سواء، فإذا أمكن الجميع أن يأكلوا من خيرها وطيرها وفاكهتها، فذاك أفضل من فومها وعدسها وبصلها. وهناك- كما يقول الأخ العزيز- الذين يركبون السيارات الفخمة، والذين يجرون أقدامهم من الإعياء جرا، والذى أحبه أن يستطيع الجميع الركوب، فليس للتدين ولا للعدل الاجتماعى أن يفرض المشى على الجميع!
وهذه الأرض التى نعيش عليها لم تضج إلا من التظالم الاجتماعى القائم على البغى والعدوان والجور والحرمان. وتلك خصال لا يختلف اثنان في استنكارها ومحاربتها، وقد أردت بكلمتى أن أبين سبيل التدين الصحيح، إذ أن أكثر الذين ينتمون إلى الدين، ويحبون الإكثار من العبادة والزلفى إلى الله، يحسبون أن التقشف والحرمان، ورثاثة الهيئة، وسوء المنظر في الأهل والمال، والعيش على هامش الدنيا، هو طريق الوصول وأس التقوى، ويهملون القضايا الإنسانية الكبرى، والسعى لإقرار العدل الاجتماعى والسياسي، والجهاد المضنى لإدراك ذلك وتحقيقه، وهذا الاضطراب العقلى أنكره القرآن:
(قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون) .