فهرس الكتاب
والإنسانية الكبرى التى أتيت على ذكرها. ليس الزهد المادى مضرا في حد ذاته، وإنما الضرر أن نجعله غاية ولا نجعله وسيلة، إذ يصبح الزهد في هذه الحالة عنوانا لليأس، وذلك ما كنا نراه في العصور التى ضعف فيها الإسلام وخرج الناس فيها على تعاليمه.. كنا نجد طائفة من الناس يستنكرون الشر ويكرهونه ولكنهم كانوا أضعف من أن يقاوموه ويحاربوه لخور نفوسهم وقلة ص _164
عزيمتهم، فكانوا يلجأون إلى اعتزال الدنيا والناس معتقدين أنهم بذلك تخلصوا من المسئولية الكبرى التى فرضها الله على كل مسلم من أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، وجهاد لإعلاء كلمة الله ونصر دينه.
والزهد المادى على حقيقته لا يتنافى مطلقآ مع السعى وراء الرزق، بل هو يقضى بضرورة ذلك- فالزهد كما بينه الرسول عليه الصلاة والسلام هو أن نزهد بعد أن نمتلك ويصبح لدينا المال الحلال والرزق الطيب. أما أن نزهد وأيدينا خواء لا شىء فيها فهذا هو التظاهر الكاذب بالزهد.
المسلم الحق في نظرى هو الذى يسعى أصدق السعى كى يحقق لنفسه أرقى معيشة، ويظفر بما يستطيع الحصول عليه من الطيبات، حتى إذا أكل أو شرب أولبس فعل ذلك لحفظ ذاته فقط، وحتى إذا ما أتى النساء فعل ذلك لحفظ نوعه وتحقيق سنة الله، ولم يفعل هذا أو ذاك للظفر بمتعة فانية ولذة عاجلة، إذ المتعة واللذة إنما هما المتعة الروحية واللذة المعنوية.
ليس عجيبا أن يثير ما كتبته عن الزهد المادى جوا من التساؤل والاعتراض، فإن الإخوان ينتمون إلى دعوة تأخذ بنيها بالتربية النفسية، واهتمام الإخوان بمناقشة الرأى الذى قررته يدل على أن الأمر مس من حياتهم العقلية جانبا حساسا يقظا، وهذا لا ريب مدعاة للسرور والارتياح، وإتاحة للمزيد من الشرح والإيضاح.