فهرس الكتاب
أو معالجة أتفه الأمور.. كلا! ليس ابن مقرن ممن يسارعون إلى مثل هذه الأعمال، لأنه رجل مسلم، والرجال المسلمون يخفون بفطرة إيمانهم إلى العمل والجلاد والاشتراك في الحياة وتكاليفها.
وفى الساحة التى ارتوى ثراها بالدماء الغزيرة تولى النعمان إدارة المعركة، وكان جيش العدو كثيف العدد، بادى اليقظة، عسير المنال. وحاول أركان حرب النعمان يوما أن يحملوه على الإسراع في منازلة العدو، ولكنه خاطبهم: تريثوا حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر.. ذلك أن وهج الظهيرة كان شديد اللفح، فما أن هبت طلائع الأصيل حتى صاح القائد المؤمن: أيها الناس! إنى هاز لوائى ثلاثا، فأما أول هذه فليتوضأ كل جندى. وأما الثانية فليعد سلاحه. وأما الثالثة فاحملوا ولا يلوين أحد على أحد، وإن قتل النعمان، وإنى راغب إلى الله بدعوة، وأقسم على كل امرئ منكم- أن يؤمن عليها- اللهم ارزق النعمان شهادة في نصر عظيم وفتح على المسلمين. فأمن القوم، ثم هز لواءه ثلاثا، وتقدم الرجل صفوف الغزاة في زحف متتابع الحملات، جياش بالإيمان والتضحية، قد رص القرآن بنيان أصحابه، فلم يقو على رد عزائمهم كل ما حشد الأكاسرة من قوى مختلطة، واطرد اندفاع المسلمين في نواحى الميدان كلها، ثم أطبقت أجنحتهم على أعدائهم إطباقة عارمة كان معها النصر الغالى، والفتح الكريم.
ولكن أين النعمان صاحب هذه الروح؟. لقد كان أول صريع!. وصادفه أحد جنوده الأبطال وما زال به رمق، فاستحضر بسرعة أداوة ليغسل منها وجه الجريح النبيل.. وإذ يعاود النعمان شعوره العازب من هول ما أصابه يسائل مسعفه: من أنت؟
-معقل بن يسار.
ما فعل الله بالناس؟
-فتح الله للمسلمين.
قال: الحمد لله كثيرا، اكتبوا بذلك إلى عمر، وفاضت نفسه.
كذلك كان مصرع واحد من صحابة محمد عليه الصلاة والسلام ، وممن تربوا في مدرسته القرآنية وصدقت فراسة عمر، ففى موقعة"نهاوند"كتب الفصل الختامى لدولة الأكاسرة..
ص _171