فهرس الكتاب
صور من الماضي * النعمان بن مقرن: كانت أنباء المعارك الدائرة في الميدان الشرقى"ميدان فارس"تثير قدرا كبيرا من الاهتمام والتحفز، ولم تكن"المدينة"عاصمة الإسلام الناهض تجهل النتائج الخطيرة التى تتمخض عنها هذه الملاحم الطاحنة، فقد صمم أمير المؤمنين على وضع حد حاسم لطغيان الأكاسرة في أرجاء ملكهم الرحيب، وساق فرقا إسلامية عديدة لتحقيق هذه الغاية الكريمة. وكم شهدت رمال الجزيرة مئات الألوية وهى تخفق فوق الرجال الذين نيطت بأعناقه!م هذه الرسالة، وكم صمتت وهادها ونجادها، ولفها السكون الرهيب في انتظار أنباء المجاهدين ساعة بعد ساعة. لقد أقدم العرب على عمل هائل، وأعلنوا قوى الضلال كلها بالعداوة السافرة، فلم تمض أعوام قلائل على وفاة نبى الإسلام حتى فتحت أمته جبهة للقتال، ثم جبهة أخرى، ثم تشعبت الميادين واتسعت أمامها، لأن الباطل في هذه الدنيا لا يستسلم أبدا حتى تتناوله اللطمات القاسية الموجعة. وكذلك كان حال كسرى ومن معه... فإن آخر ما وصل إلى عمر من أنباء يشير إلى أن انتصارات المسلمين الكثيرة لم تسحق رأس الكفر بعد، ورغم الجهد العصيب الذى بذله المسلمون في الاندفاع إلى الأمام فإن خطتهم لم تنفذ بأكملها كما ينبغى. ودخل عمر المسجد، وأرسل بصره القوى في جنباته فلمح"النعمان"يصلى، وكانت رؤية النعمان كفيلة بأن يستقر رأى أمير المؤمنين على القائد الذى سيكتب الفصل الحاسم لملك الأكاسرة، فما لبث أن سار حتى جلس بجوار المصلى العظيم . وما إن فرغ النعمان من صلاته حتى بادره قائلا: لقد انتدبتك لعمل!. واستمع النعمان لمشيئة أمير المؤمنين، ثم أجاب: إن يكن جباية للضرائب فلا، وإن يكن جهادا في سبيل الله فنعم.. فأظهر عمر قراره.. إنه جهاد وأى جهاد، وما أصدق بصيرة الخليفة التى دلته على مثل هذا الرجل، رجل ليست له نفسية كبار الموظفين في هذه العصور من كل مترف يدمى بنانه إمساك القلم ولا يحسن إلا التبطل ص _170