الصفحة 175 من 212

بيعة العقبة الكبرى * مؤامرة: كثيرا ما تمر بجماهير الناس أزمنة محرجة يقعون فيها تحت ضغط طوائف من الطغاة المستبدين، ممن يملأون الأرض علوا وفسادا، ويحاولون أن يفرضوا سلطتهم على الشعوب قسرا. وأحرار الفكر والعقيدة في أمثال هذه الأزمات العصيبة لا يخضعون لها مهما سيموا الخسف، ومهما صودروا في آرائهم وأشخاصهم! ولئن كممت أفواههم عن النطق العالى هيهات أن تكمم ضمائرهم عن الغليان المكتوم، يتربصون به الفرص، ويدبرون له المؤامرات، ويبيتون في ظلام الليل ما أعياهم التصريح به في وضح النهار، ثم ينقضون على أعدائهم الغافلين انقضاض الثائر الذى أخذ أهبته لكل شىء فلن يترك لخصمه منفذا! وقد كانت دخيلة المسلمين من أبناء يثرب تنطوى على أشياء كثيرة، وهم يخرجون من مدينتهم صوب مكة في موسم الحج الذى يضم الآلاف من المشركين ولا يضم إلا القلائل من الموحدين. أولئك الذين آمنوا على وجل ولم ينج أكثرهم من أسواط الفتنة التى تلهب الظهور! نعم خرج أبناء يثرب في هذا العام، وفى أفئدتهم عزم جديد على مغامرة كبرى يقومون بها في سبيل الدين الذى اعتنقوه. إن أصداء البيعة الأولى لا تزال ترن في آذانهم، وحال صاحب الدعوة ومن معه في مكة لا ينفك يخامر مشاعرهم، والمستقبل المبهم لهذا الصراع العنيد بين الدين المدبر والدين المقبل يشغل المؤمنين والكافرين جميعا! وإذا كانت سطوة المتكبرين في مكة قد آذت الكثير، فإن جرأة القادمين عليهم من الخزرج يجب أن تفعل الكثير كذلك، وإذن فليفكر الأنصار في استنقاذ الدعوة وصاحبها من هذا البلد الظالم أهله إلى بلد آخر وإلى عهد آخر. * * * * الاجتماع: غصت مكة بالحجيج على العهد بها في كل عام. وتوقع العباس بن عبد المطلب أن تأتيه أنباء ابن أخيه وهو يعرض نفسه على الوفود القادمة، فلا يلقى منها إلا الردود ص _175

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت