فهرس الكتاب
السليطة، ولكن العباس أحس بأن الحال هذه المرة تستدعى التفاته وتيقظه، فقد لمح من بعيد حركة خفية تدور في صفوف المسلمين. وتأخذ قدرا من انتباه الرسول عليه الصلاة والسلام. ومع أنه لم يكن مؤمنا بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، فإنه كان مؤمنا بخلقه، وعارفا بأن ابن أخيه لن يتوانى في عمل كل شىء يعود على دعوته بالخير والنجاح، ولو غادر مكة وانضم إلى أى قبيل من العرب يعينه على إدراك غايته، وها هو ذا يلمح بوادر ما يخشى! أن ابن أخيه سيجنح إلى خطة جديدة تجعله هدفا لقريش ومن ورائها سائر العرب. ودفعته خشيته وشفقته إلى أن يتعرف الأمر ويتتبع سيره!
وحان موعد اللقاء المضروب، فخرج العباس في جنح الليل يمشى الهوينى نحو العقبة.
كانت ليلة قمراء يوشك القمر أن يكون بدرا، وقد خيم على المكان صمت الترقب والتحفز، وبين الحين والحين يُسمع همس خافت، واقتراب أشخاص جدد إلى مكان الاجتماع، وما أن يتم التعارف القصير حتى يأخذ كل موضعه في هدوء.
فلما انقضى الهزيع الأول من الليل كان هناك نحو سبعين شخصا يلتفون حول صاحب الرسالة العظمى الذى تسلل إليهم خفية كذلك، وتهيأ للاستماع إلى أخطر قرار في تاريخ الدعوة الإسلامية. وبعيدا عن مكة السامرة حول أوثانها، الغارقة في ضلالها وغلوائها، اجتمع أولئك النفر الكريم من مسلمى يثرب، يتألق في عيونهم بريق الحماسة الملتهبة، وتتأجج في صدورهم عواطف التضحية والمقاومة، ثم قطع حبل الصمت صوت العباس الجهورى يقول:"يا معشر الخزرج إن محمدا منا حيث قد علمتم في عز ومنعة، وقد أبى إلا الانقطاع إليكم، فإن كنتم ترون أنكم تفون له بما دعوتموه إليه ومانعوه فأنتم وذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه فمن الآن فدعوه".
* مناقشات: