فهرس الكتاب
ضمانة النصرفى هذا الإيمان اكتنفت الأحزاب آطام"يثرب"ولمعت عيون الكافرين الوافدين من كل فج ببريق الإصرار على أن يستردوا من المسلمين ثأرهم، وعلى أن يضربوا محمدا عليه الصلاة والسلام وأنصاره ضربة تطوى أعلام هذا الدين الناهض، وانطلقت الخيل تهمهم حول حوافى الخندق المحفور فلا يردها إلا الموت الجاثم في قراره السحيق وامتدت الخيام حول لابتى المدينة تضرب حصارها الخانق، وفى صدور أصحابها غل مكظوم، يود لو تنطبق هذه الجبال الشامخة حول مهجر المسلمين المجاهدين فتسلبهم الروح المنطوية على الحياة والجهاد معا! وفى داخل المدينة حال غريبة النقائض، فالإيمان المذخور في هذه القلوب الكريمة كان من شأنه أن يشيع الثقة في جوانب النفس. وينتظر من خلال الغيب بشائر النجاة المرجوة في جوار الله، ولكن أنى هذا والواقع المفزع يتربص بهم على مدى سهم، وجهاد الأعوام الطوال يوشك أن يأتى عليه هذا الحصاد الشيطانى من مناجل قريش وحلفائها: (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا) . وفى هذه الساعة الحرجة، وجد الضعفاء من مرضى القلوب جوا يتنفس فيه نفاقهم، ويتحرك فيه لؤمهم، وماذا عليهم إذا استغلوا هذه المفارقة التى يعانى المسلمون شدتها ليضحكوا ملء أفواههم، وليرسلوا النكات الساخرة من قوم كانوا إلى أمد قريب يتحدثون عن مبادئهم التى ستسود الدنيا، وهم اليوم لا يأمن أحدهم أن يخرج من داره، بل هم- كما يرجف المنافقون- سيكونون بعد أيام ما بين قتيل وأسير. واليهود؟ لقد نقضوا معاهدة الصداقة في هذه الفترة العصيبة، وسعى رسلهم إلى قريش يفاوضونهم في تدبير هجوم مشترك على أصدقاء الأمس.. وهكذا أحكم أعداء الله مؤامراتهم وبيتوا وقيعتهم: ص _179
(و يمكرون و يمكر الله و الله خير الماكرين) .