الصفحة 186 من 212

أما في معسكر المؤمنين فإن الأمور كانت تجرى بسرعة عجيبة، فقد قام المهاجرون يتبايعون على الموت. وأحس الأنصار بأن الكلمة الفاصلة لهم في خوض هذه المعمعة، وإذا زعيمهم سعد بن معاذ يقول:"يا رسول الله.. قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على هذا عهودنا ومواثيقنا، على السمع والطاعة، فامض لما أردت! فوالذى بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما يتخلف منا أحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا وعدوك، إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله عز وجل يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله".

وهكذا جرفت موجة الإيمان عوامل التردد كافة، وأنست المسلمين ما بينهم وبين عدوهم من فوارق مادية شاسعة. وأملوا في الله نصره القريب.

ثم تبدل الحال، وأمطرت السماء، وتغير الجو، واستقى المسلمون واستراحوا من عناء يومهم ونشطوا للقتال المنتظر بعد ما جمدت الرمال تحت أقدامهم:

(إذ يغشيكم النعاس أمنة منه و ينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به و يذهب عنكم رجز الشيطان و ليربط على قلوبكم و يثبت به الأقدام) .

* القتال:

وجاءت الساعة الرهيبة، ودار القتال، ومشى ملك الموت وئيدًا يقط رقبة الكفر، وتنجست الرمال العفراء بدم الطائفة التى طالما آذت الله ورسوله، ووطئت أقدام المسلمين خدودًا وجباهًا، طالما استنكرت أن تسجد لله رب العالمين، وتحركت سواعدهم، تطيح بهامات طالما استخفت بحق الله، واستكبرت على الإيمان والمؤمنين. يقول شاهد عيان لأبى لهب يخبره بما كان:"لا شىء يا عماه! ما كان إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا ويأسروننا كيف شاءوا... لقينا رجالا لا يتلقاهم شىء ولا يقوم لهم شىء".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت