فهرس الكتاب
خرجوا من أجله فإنهم أصروا على القتال الذى استعدوا له ووثقوا بنتيجته ورغبوا أن يقرع آذان العرب نبؤه. أما المسلمين فقد كانوا يهاجمون طرق التموين التى يعتمد عليها أهل مكة ويفرضون نوعآ من الحصار الحربى على ما يستند إليه هؤلاء الطغاة من موارد غنية وهم قد خرجوا لاعتراض قافلة لا شوكة لها، يعتبر الاستيلاء عليها غنيمة باردة، ولذلك لم يأخذوا الأهبة لقتال، حتى فاجأتهم الحوادث بنجاة القافلة، وبمجىء صناديد قريش وأبطالها يتحدون هؤلاء المعترضين، ولم يكن بد من قبول هذا التحدى وإلا ضاعت هيبة المسلمين، وواجه النبى صلى الله عليه وسلم الموقف بما يتطلبه من إيمان وثقة، غيرأن كثيرا من المسلمين تساءل وحاول التملص، إذ كيف يواجه هذا العدو الذى لم يستعد له؟ (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق و إن فريقا من المؤمنين لكارهون * يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت و هم ينظرون) . عدم التهيؤ ثم قلة العدد ثم سوء الموضع الذى وجد المسلمون أنفسهم فيه، فقد نزلوا بكثيب أعفر، تسوخ فيه الأقدام وحوافر الدواب. ونزلوا على غير ماء على حين سبقهم المشركون إلى ماء بدر! ولكن القدر كان يدفع الأمور في مجراها الذى أعده إعدادا محكما، فها هو ذا قد جمع بين الفريقين على غير موعد: (و لو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد و لكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا) . وها هو ذا يغرى كليهما بالآخر ويجعله يرى عدوه ضيئلا قليلا: (وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا و إلى الله ترجع الأمور) . وها هو ذا يبعث الشيطان لينفخ روح الغرور في أتباعه وليصيح بينهم: (لا غالب لكم اليوم من الناس و إني جار لكم) . ص _184