الصفحة 184 من 212

روى أصحاب السيرة أنه"لما كان يوم بدر نظر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم نحو الألف، وإلى أصحابه رضى الله عنهم وهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا ثم استقبل القبلة ومد يده وجعل يهتف: اللهم آتنى ما وعدتنى، اللهم أنجز لى ما وعدتنى، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلن تعبد في الأرضي"وما زال يهتف بربه مادا يده حتى سقط رداؤه عن منكبيه، وحتى نزل الوحى مطمئنا له: (سيهزم الجمع ويولون الدبر) . نعم.. وما ظنك بموقعة يكون القتال فيها بداية لسلسلة من المعارك تشتعل نيرانها في البر والبحر، ويحتدم النزاع فيها بين الحق والباطل، وتهتم بخوضها والتعبئة لها أمم المشرق والمغرب، هذه السلسلة من المعارك التى خاضها المسلمون- من بعد- في فارس والروم وفى الصين والأندلس.. لا تحسب أن الصلة بينها وبين بدر مقطوعة أو ضعيفة، كلا.. إنها صلة النسب المتين بين الأصل ونتائجه أو بين الأب وذريته. فكأن أول سيف شهر في بدر إيذان بابتداء النضال المسلح بين الباطل المتكبر والحق الذى يريد أن يقمعه، كلما انتهت معركة قامت أختها... ولذلك يقول على بن أبى طالب:"أنا أول من يجثو للخصومة بين يدى الرحمن يوم القيامة، ذلك أن الله يقول: (هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم) .وهؤلاء الخصوم- كما تحدث أبو ذر- هم على وصحبه الذين برزوا يوم بدر يجالدون بسيوفهم طائفة من أئمة الكفر فيقتلونهم جميعا، ويفقدون أحدهم- عبيدة بن الحارث- ليسبقهم إلى الجنة، ثم يدركه بعد قليل حمزة في أحد، ثم يدركه بعد سنين على.. ثم تتتابع سلسلة الشهداء من أجناد الحق رضوان الله عليهم أجمعين حتى قيام الساعة. * * * * أصابع القدر: موقف الطرفين في هذه المعركة يمثل التناقض الكامل، فإن المشركين قد خرجوا في تعبئة تامة، وفصلوا عن مكة وهم متأهبون لقتال عنيف. ومع انتهاء السبب الذى ص _183"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت