فهرس الكتاب
موقعة بدر * هذان خصمان اختصموا في ربهم: ترمق الأعين سيرة النبى الكريم وصحابته الأبرار لتقرأ في صحائفها معالم الأسوة الحسنة، ولتلمح في ثناياها طرائق الجهاد المنطوى على أروع صور التضحية وأصدق مظاهر الكفاح، لا لمغنم زائل، بل في سبيل الله، وإعلاء لكلمته. وموقعة بدر- من بين أحداث السيرة الحافلة- ما إن يطالع المرء أنباءها ويستعرض مقدماتها ونتائجها حتى يحس لها منزلة خاصة، وحتى يدرك أن التاريخ أودع في فصولها سرا تكتنفه الهيبة، وجعل من أدوار القتال فيها، ومن الإعداد له ثم الانصراف عنه، موعظة خالدة لا تفتأ تتجدد ذكراها ما بقى في الدنيا صراع بين الظلام والنور. إن كتب السنة أحصت الذين اشتركوا في بدر من جند الحق وسجلت أسماءهم واحدا واحدا، فأصبح كل اسم بهذه المنقبة التى لازمته خالدا تتناقله الأجيال المتعاقبة كما تتناقل كلمة الحكمة العالية، أو كما تتناقل أحرف المثل السائر، ولكن لما هذا؟ ولماذا تأخذ غزوة بدر ذلك الوصف المجيد وهذا الأثر البعيد؟ وكيف تكون بدر موقعة حربية معدودة مع أنها لم يحتشد لها إلا بضع مئات من الناس؟ مئات تعد على الأصابع! ولم تستغرق إلا يوما أو بعض يوم، على حين نجد تاريخ الحياة في ماضيها وحاضرها زاخرا بالوقائع التى تساق إليها الألوف المؤلفة، والتى تظل دائرة الرحى الشهور الطوال، تعصف عليها ريح الموت آناء الليل وأطراف النهار. فما تكون موقعة بدر إلى جانب هذه المواقع الطاحنة؟. لا شك أن هذا كلام له بواعثه، بل له وجاهته عند من يقيسون الأشياء بأحجامها، وعند من ينظرون في الأمور إلى كمها لا إلى كيفها، بلى إننا نضع بدرا في عداد هذه المعارك الهائلة، وقد نرى كفتها ترجح بالكثير منها، وما ظنك بموقعة يكون مصيرها هو الفاصل في عبادة الله على هذه الأرض، هل ستبقى أم ستفنى؟ ويشعر قائد المعركة هذه الحقيقة الحاسمة الخطيرة فهو يؤكدها بقوة. ص _182