كأنما أحاذر شراكآ منصوبة، أو أصعر خدى.. علم الله لا عن كبر- بل إحجامآ عن قبول الدنية ورفضآ لهضم الحقوق! وما اضطررت إليه من عمل ينافى طبعى، فإن مرده طبيعة الأحوال التى أحيا فيها، وليس ألبتة من طبيعة الرسالة التي أؤديها بعد ما صرت إلى ما خطه القدر لى، أى رجلآ من الدعاة إلى الله! وهمزة وصل بين الأرض والسماء! . وقد استبان لى بعد ما درست الدين عن بصر وعلى مكث، أن الخصال التى تردنى في وهم الناس عنه، هى أصدق المرشحات لحمل تعاليمه والوصول بالبشرية إلى أهدافه! وعلمت بعد اختبار صحيح للرجال الملتصقين بالدين من رسميين وشعبيين، وللرجال المبتعدين في الدين من ملحدين ومتهمين، صدق ما قاله النبى صلوات الله عليه وسلامه:"رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة". إن العصاة الضارعين أدنى إلى الله من الزهاد المدلين، وإن الرجل الذى يشبه الطفل في مسالكه أقرب إلى فطرة الله من أولئك الذين أحاطوا أشخاصهم بهالات من التصنع الدقيق لما يفعلون ويتركون. ولا ريب أنه- بعيدا عن دائرة الدين- يوجد قطعان من الناس نزلوا إلى درك سحيق من الفساد، كبارهم وحوش، وصغارهم ذباب... ووظيفة الأنبياء الأولين - ومن خلفهم في القيام على رسالتهم- بذل الجهد في تقويم هؤلاء، وإسداء النصح لهم، والحيلولة بينهم وبين موارد الشر، التى يتهاوون إليها بغرائزهم. وهذا أجل عمل يمنحه إنسان إنسانا. وما يستطيعه في هذه الحياة إلا الأقلون، بل إن الطاقة الروحية الدافقة التى تسكب من نقائها على القلوب الملوثة فتغسلها من أدرانها ، وترفعها عن حضيضها ، ليست متاحة لمن ابتغاها من الناس، ولكن القدر يصطفى لذلك مواهب وكفايات فريدة (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) . وأين الديانون الذين يريدون للحياة صوابها إذا فقدت صوابها؟ إنهم قليلون جدا. ص _005