والناس يحتسبون في حملة الوحى الداعين إلى الله: أن غرائز الحياة ماتت في دمائهم، وأن تجردهم لما عرفوا به يتقاضاهم ذلك!. وهذا خطأ، فإن الواجب في حق هؤلاء أن يكون ما عند الله أرجح في نفوسهم من غرائز الحياة كلها، ومعنى ذلك أن حظهم من الدنيا قد يكون أكبر في حقيقته من حظوظ غيرهم، ولكنه مهما كبر يتضاءل أمام ما في نفس الرجل المؤمن من حب للخير، وتضحية في سبيله! والتقى حقآ هو الرجل الذى أوتى من علو الهمة وطول الباع ما يمكنه من تملك الدنيا... ثم هو قد أوتى إلى جانب ذلك من صدق اليقين واحترام الحق والنزوع إلى الكمال ما يجعله يزدرى ذلك كله في ساعة فداء وتضحية! وقد اختلطت بفئات شتى تنتسب إلى الدين فراعنى أن هذا الصنف- كما قلت- عزيز المنال. هناك جمهور ضخم من العامة سليم الصدر صريح الهدف يشترك مع الملأ الأعلى في نقاء صحيفته واستقامة سريرته. وهناك نفر من المرشدين مشموا في آثار النبوة وصدقوا الله جهادهم ومحضوه عملهم.. بيد أنه كما ظهر قديمآ أنبياء كذبة يوجد متاجرون بالدعوة إلى الله مصابون في عقولهم أو ضمائرهم بلوثات عكرت رونق الدين، وأفسدت شئون الحياة. وقد يسبق الوهم إلى أنى أقصد فقط طوائف المحترفين المعروفين... ولئن كان هؤلاء ممن نعنيهم... إنهم ليسوا الخطر كله... فلنذكر في معرض الزراية عشرات من الرجال المدنيين أخفقوا في أعمالهم وانهزموا في ساحتها... ثم، كما يتحول اللص العاجز إلى واحد من رجال الشرطة، يتحول أولئك المهزمون إلى مبشرين بالدين، ويزحمون"الجمعيات"الدينية ليحرسوا الإيمان! وكان أولى بهم- لو عقلوا - أن يخدموا الدين إتقان الأعمال التى توفروا عليها وتخصصوا فيها... لا أن يخدموه بالخطب والمظاهرات، فإن بلاء الدين بدأ يوم تحول طقوسًا وتلاوات، وانقطع عن ملاحقة العمران، والهيمنة على البواعث والغايات في أعمال الإنسان. في هذا الكتاب صور وخواطر، وبحوث ولفتات، لا يجمعها في نسق مؤتلف إلا هذا