الصفحة 201 من 212

رجال الكهنوت وطوائف البدو من دفاع عنيف وإن كان ذلك لم يمنع أن تدخل أقاليم شتى من جنوب فرنسا في دين الله، وأن يجد الإسلام قلوبا مفتوحة لمبادئه، وأيدى مبسوطة لرجاله. وبدأ الزحف يتسع وتتبين أهدافه، واندفع المسلمون صوب حدود فرنسا الشرقية في حركة جريئة يحاولون بها اجتياز ألمانيا نفسها. وبدا للناس كأن السيل لا يزال في مده وأنه سيكتسح كل ما يعترضه، ولكن الغربيين قرروا أن يجمعوا كلمتهم، وأن يبذلوا آخر ما لديهم من جهد، وآخر ما عندهم من استطاعة، وأن يلقوا بمصيرهم في معركة حاسمة تستسلم بعدها أوروبا قاطبة، أو يرتد بعدها العرب الفاتحون على أعقابهم. وانتخب الفرنجة"شارل مارتل"قائدا لهم في هذه المعركة، وسلموا له مقاليد أمورهم. وكان شارل هذا رجلا فطنا ذا كياسة و دهاء لم يلبث أن أدرك حقيقة موقفه، فقرر أن يحتال لقومه، وأن ينتهز الفرصة السانحة ليشترك في المعركة التى يضمن نتائجها، ويطمئن إلى نهايتها، وخلاصة سياسته مع المسلمين تتضمنها هذه الخطبة القصيرة له- وهى خطبة ذات معان لن تزال ماثلة إلى الأبد تشهد بالذكاء لصاحب الذكاء، وبالخيبة لمن يستحقون الخيبة. خطب شارل مارتل في قومه فقال:"الرأى عندى ألا تعترضوا العرب فإنهم كالسيل المنحدر يجرف ما يصادفه، وإنهم في إقبال أمرهم عقدوا نيتهم وجمعوا أمرهم فأصبح الرجل منهم يغنى عن كثرة العدة، واتحدت قلوبهم فصارت أشد من حصانة الدروع، فأمهلوهم حتى تمتلئ الأيدى من الغنائم ويتخذوا المساكن، ويتنافسوا على الرياسة، ويستعين بعضهم على بعض، فإذا كان ذلك فإنكم ستتمكنون منهم بأيسر ما تبذلون..". أرأيت إلى هذه الخطبة أيها القارئ؟ فلتنظر إلى المعسكر الإسلامى لترى ما فيه، ولتقرأ قول الحق: (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه …) . إن هذا القائد الداهية هو الذى عرف علتنا، فاستعان على بلوغ غايته بيده وأيدينا معها! لاحت بوادر الفتنة في جيوش المسلمين، وبدأ كل قطر يذكر نفسه، ويرفع رأسه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت