فهرس الكتاب
على حدة، أهل الشام يكرهون أهل العراق، وأهل الحجاز ينقمون أهل اليمن! ص _200
واستيقظت صيحات الجاهلية الأولى التى طالما عمل الإسلام على سحقها، وتطهير النفوس من رجسها، فهذا مضرى، هذا تميمى، وهذا قيسي! وقامت الأحزاب تتولى الحكم على هذه الأسس، كلما تولى أمير من قبيلة مالا عشيرته وجار على أبناء القبائل الأخرى، واستبدت دنيا الأهواء بكثرة الناس، فقل الصالحون الخلصون، وتطلعت العين للدنيا وضاع أدب الدين بين حب المال والجاه، وبهذه الروح المعنوية كانت جيوش عبد الرحمن الغافقى تستعد لملاقاة جيوش"شارل مارتل"التى جمعها ونظمها وقوم صفوفها للقاء الموشك على الوقوع. وبين مدينتى"تور"و"بواتيه"دارت الواقعة أو وقعت المأساة! بين جيوش فرنسا وألمانيا معآ- فقد تحالف العدوان الألدان على دفع العدو المشترك- وجيوش المسلمين، وظل القتال سبعة أيام شدادا متقلبة الأدوار والأطوار، وكان في الحقيقة اشتباكآ مروعآ بين الشرق والغرب، وصراعآ له ما بعده من آثار بعيدة. وقد عرف الغربيون ذلك، فاستعدوا له على حين كان جيش المسلمين الإقليمى في الأندلس هو الذى يخوض وحده غماره، ويتحمل وحده نتائجه المستقبلة. وقد علمت أن بعضهم كان يذوق بأس بعض فلا عجب أن يذيقهم الله بأس عدوهم كذلك. فقتل عبد الرحمن وأصابت المسلمين خسائر جسيمة، وحلت الهزيمة بالعرب والبربر وبسائرالأحزاب المتكالبة على الدنيا، والمتصايحة بصيحات الجاهلية، المتباعدة عن هدى الإسلام وطار النبأ الغريب حقأ! إلى آفاق المشرق والمغرب. لقد توقفت حركة المد وتكسرت موجاتها بعد لأى شديد. نعم لقد تكسرت موجاتها لأن قوة التيار- تيار الإيمان- انقطعت منها لا لأنها اصطدمت بحاجز عنيد. ومن عجب أن المسلمين اليوم يكررون الغلطة نفسها ويكرر عدوهم الدور نفسه. ولله في خلقه شئون: (وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) . *** ص _201
مصعب بن عمير
* فاتح المدينة قبل الهجرة: