الصفحة 45 من 212

ياليل! ياليل! ياليل غريب! أبيت فين؟ قلت لرفيقى في لهفة: ما هذا الكلام يا أخى؟ من هذا الغريب؟ وما هذا المبيت؟ وما الذى جمع الأولاد على هذا النشيد الحزين؟ قال صاحبى- وقد سره أن يجد مجالأ للحديث يطرد به وطأة الصمت-: إن هذا الغناء نشيد القرية الدائم، ومرتلوه هم الصبية الفعلة من الفلاحين الفقراء، إنهم يرحلون إلى التفاتيش الكبرى بالمئات للعمل فيها، وهم يتزودون لهذه الترحيلات المضنية مما ثقل حمله ورخص ثمنه خبز جاف وجبن وملح، فإذا ملئوا بطونهم من هذه الأطعمة، كرعوا من قنوات الرى ما تفيض به من الماء العكر، حتى إذا آواهم الليل وجدوا في إسطبلات الخيل متسعا يضم أجسامهم المتعبة، وهم بين مهاد الغبراء ولحاف الأجواء يطلقون حناجرهم بما سمعت من غناء. في حين كان صاحبى يتكلم عاد الصدى السارى يقرع آذانى، بل يقرع أبواب قلبى، ويثير كوامن الحنان والأسى فيه! الغناء الكئيب يناجى الليل مرة أخرى: ياليل! ياليل! ياليل غريب! أبيت فين؟ حيران! ما بارتاح يوم والراحة تيجى منين؟ فقلت- وأنا أهمس إلى نفسى-: يا أولادى لستم غرباء، إنه وطن آبائكم وأجدادكم، ومن حقكم أن تبيتوا فيه ناعمين. لعن الله من ظلمكم وجعل طفولتكم تنبت في هذا الهوان!. إن أمثالكم يحيون وادعين في أمم الأرض الأخرى لا تشردهم إلا الحروب والغارات الطارئة. أما أنتم فمشردون أطفالا ومشردون رجالا! في غير حرب ولا ضرب، إلا حرب الأوضاع الظالمة وضرب المجتمع الغشوم! فقال رفيقى- ولعله استحمقنى-: بماذا تهمس؟ فأسرعت إلى إجابته: لا شىء. واستطردت: وكيف يعودون من هذه الترحيلة؟ فقال: أتذكر الأوبئة التى تصيب الدواجن في البيوت والدواب في الحقول؟ إن هذه من تلك. طعام حقير وعمل من قبل الشروق إلى ما بعد الغروب، وأسواط المراقبين القاسين تلهب ظهر من يتوانى في أداء الواجب، بل قد تلسع المشتغل حتى لا يفكر في الكسل! وأجور ضئيلة يأكل نصفها السماسرة. وأيام متطاولة على هذا النحو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت