فهرس الكتاب
وعسى أن يعقب هذه الأزمة فرج قريب. فقال لى- وأنفاسه لاهثة وجبينه المغضن يرشح بالعرق وينضح بالجهد-: ص _052
لقد يئست تماما من حالتى، ولقد بعت محصول العام في ثمن الدواء فلم ينفعنى. وضاقت الدنيا بى كما ترى، وبقى شىء واحد تقدمه لى من عند الله. قلت: ماهو؟ قال: تكتب لى آيات من المصحف في تعويذة مطهرة! فلعلها تشفى سقامى. فهززت رأسى في أسف يكاد يفطر فؤادى. قلت: أتحسب أن هذا ما يقدمه الله لك في حالتك هذه يا صديقى؟ إذن لهانت الأديان كلها إن كان هذا مبلغ ما تسعفك به!! لقد أكل أبناء الدنيا اللئام ما زرعت في حقلك وما غرس أجدادك في بيتك وأعقبوك هذا المرض اللعين، أفتحسب أن الدين يقيك هذا السوء بالتمائم والرقى؟ إن التعاويذ لجسدك الضاوى كأقراص الدواء لبطنك الخاوى لا تفيد شيئا ألبتة!. بيد أن المريض المتعلق بخيط الأمل ذهل عن هذا الكلام فلم يع منه شيئا وعاود إلحاحه! ماذا أقول له؟ إن آيات الله المنزلة على أنبيائه كلهم لا تصلح بتعليقها إنما تصلح بتطبيقها. وما ذهب هذا الرجل إلا ضحية مجتمع منافق، يتظاهر بتقديس الوحى واحترام صحائفه، في الوقت الذى يسير فيه على سنن من الإلحاد والجهالة واللؤم… وهذا الشرق الذى نعيش فيه له نقائض خانقة. إن الحاكم في قصره قد يستمع إلى آيات القرآن فيهز لها رأسه تأثرا، ويغمض عينيه تخشعا، في الوقت الذى يمضى فيه أوراقا تحمل للناس أقبح المظالم وتوقع بهم أشنع المآثم !! وقد تجد الثرى من هؤلاء المترفين يحتفى بعلماء الدين، ويخف لاستقبالهم وإكرامهم في الوقت الذى لا يحبس فيه فقط حقوق الفقراء في ماله بل يغتال حقوق العمال في أرضه. إن عقليتهم المريضة أخذت الدين تمائم وهمهمات وأدعية فلم يزدهم الدين إلا مرضا، ولم تزدهم تعاليمه إلا رجسا، وتطهير هؤلاء جميعا لن يتم إلا بتطهير الأرض منهم. وحانت منى التفاتة إلى المريض الباسط يده في ضراعة فإذا به قد لحقته غشية من غشيات المرض، فقمت عنه بعد أن