الصفحة 53 من 212

دعوت أخاه الصغير للعناية به. ولست أدرى كيف سيعنى به؟ ص _053

* في عداد المجاهيل؟! في المساء عرفت أن الرجل مات، فأيقنت أن الموت أحيانا يكون طبيبا رحيما حاسما لأعصى الآلام على العلاج. فلما ذهبت إلى البيت الثاكل سمعت أنينا مكتوما ورأيت وحشة بادية. وفوجئت بالجثة محمولة على أعناق نفر من الرجال القلائل الذين يمتون إلى الفقيد بصلة القرابة أو الجوار. وما هى إلا ساعات حتى كان الرجال قد فرغوا من عملهم، ورأيتهم في جلابيبهم الزرق يعودون منكسرة قلوبهم مكلومة أفئدتهم، يتبادلون كلمات العزاء والتصبر! قلت لنفسى: أهكذا تنتهى حياة رجل قضى عمره في الكفاح والعمل؟ لكأنها جنازة شقى حكم عليه بالإعدام، ومنعت الحكومة الاحتفال بموته! ما أقل المعزين والمشيعين! وما أهون وقع النعى على آذان الناس! وما أقل اكتراثهم له! لقد عاش الرجل في صمت ومات في صمت فلم يبكه إلا القليل! بلي! بكته السماء التى طالما نظر إليها شاكيا، والأرض التى طالما انحنى عليها مقاسيا! وبكاه حقله الذى طالما حول ما فيه من طين إلى ورد و رياحين! وبكته النخيل التى غرسها أجداده فلم يستفد منها أجداد ولا أحفاد... وأقبل الليل على أسرة صغيرة تبكى ربها الذاهب. وتنظر إلى مستقبلها نظرة باردة، إنه لن يكون أسوأ من ماضيها على أية حال. لقد ذهب رجلهم في عداد المجاهيل من ألوف الفلاحين الذين يبريهم العمل ويقتلهم الجحود، ويتنكر لهم سادة الأرض، فلا يجدون الراحة المنشودة إلا في بطن الثرى بعد عذاب طويل. وفى أوبتى سمعت ناعى الأموات في القرية يصرخ بصوت عال، كأنه نذير حرب! فقلت: لعل أودية الموت استقبلت طارقا جديدا، وصح ما توهمته يظهر أن الموت أنشب أظافره في صيد دسم، فإن الاسم المنعى إلى الناس اسم رجل من علية القوم، أعرفه جبارا عنيدا من الملاك الجبابرة في هذه الناحية فقلت: لعل القدر شاء أن يفسر لنا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم- وقد مر أمامه بجنازة- فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت