فهرس الكتاب
والأمر ليس زهرة واحدة ولا زهرات؟ بل هو كما قال القرآن: (كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع) . ص _059
وهكذا تجدد للفكر الإنسانى شبابه بعد بلى وانحلال، وعادت للحضارة الإنسانية قوتها بعد ركود واضمحلال. ومن أين أتتها هذه الأمداد الوافدة بالحياة؟ من الصحراء التى لم تزدهر فيها قبل معرفة، والتى كان ينتظر منها أن تستورد المعارف من جاراتها العريقة في الحضارة، لا أن تقوم هى بالتصدير والإمداد! وما انعكست الآية في قوانين الأرض إلا لأن الله عز وجل أراد أن يحدث آية من لدنه. فلما اتصل جدب الصحراء بوحى السماء تحول إلى خصب ونماء. فانطلق محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه !فى مشارق الأرض ومغاربها هداة مرشدين، وبناة مجددين. (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) . وقد استمر نزول القرآن بضعا وعشرين سنة، كان أوله تمهيدا لآخره، وكان آخره تصديقا لأوله. وتعتبر تعاليم الإسلام وحدة متماسكة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. والإسلام الذى بشر به الرسول صلى الله عليه وسلم هو نفسه الذى دعا إليه خلفاؤه رضوان الله عليهم. وإنما نقول هذا الكلام لنقرر به فرقا بين الرسالات الأرضية التى صنعها الناس لأنفسهم، وبين الرسالة السماوية المنزلة من عند الله. فالديمقراطية التى نادى بها الفرنسيون، مثلا، لم تكن لها حقيقة متميزة يوم كان الثوار الفرنسيون يهتفون لها. وقد وضعت لها دساتير كثيرة، كانت كثرتها مثار سخرية لاذعة. وقد قتل الثوار قادتهم، وانتهت ثورتهم بإمبراطورية سفاكة طاغية. ثم عادت مرة أخرى جمهورية تشرع من دساتير الديمقراطية ما تراه صحيحا اليوم لتعود إلى نقضه غدا!! ص _060