الصفحة 58 من 212

وهذا تساؤل يمليه الجهل بطبيعة الإسلام الحنيف! ذلك أن الإسلام دين الحقيقة، والحقيقة لا تتغير وإن تغيرت الأزمنة والأمكنة. وما هو ثابت في نفسه يستوي في ضرورة العلم به، أن يكون عند بدء الخلق أو عند قيام الساعة.. والإسلام جملة من الحقائق التى تتعلق بالعقيدة، وبالفكر، وبصلات الناس بعضهم ببعض، أو صلاتهم جميعا بالخالق جل وعلا. ولو أن دينا نزل إلى الناس في هذه الأعصارأكنت تحسبه ينقض مبدأ التوحيد في العقيدة. أو مبدأ الأخوة في المجتمع؟ أو مبدأ التعارف بين الأمم؟ أو قانون العدالة في الأحكام، والفضيلة في الأخلاق؟ أو الصلاح النفسى الذى لا ضمان له بين عامة الناس إلا بضروب العبادات وصور الطاعات؟ أو تحسبه يعترف بضراوة الشهوة بين الأفراد، وضراوة القوة بين الأمم؟ كلا كلا! فلو أن محمدا صلى الله عليه وسلم جاء الإنسانية في أمسها القريب أو يومها الحاضر، أو لو أن عشرات النبيين انطلقوا من بعده بين المدائن والقرى مبشرين ومنذرين، ما عدوا حدود القرآن في هديهم، ولا تجاوزوا حلوله السمحة في المشاكل التى تعترضهم. فإن هذا الدين جعل الله فيه خلاصة للأديان السابقة، وغناء عن الشرائع اللاحقة. وإن محمد صلى الله عليه وسلم! صاحب الرسالة العظمى هو أمل العالم في يومه وغده. وكتابه هو الدواء الفذ لما أصاب العالم من دوار، ولما اعترى خطواته من عثار. (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا * وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا * ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا) . * * * ومن معالم النبوة ظهور محمد صلى الله عليه وسلم برسالته هذه، في تلك البقعة بعينها من صحراء الجزيرة، فأنت لا تعجب للزهرة النابتة في الرياض الزاهرة والحدائق النضرة، ولكنك تعجب لها أشد العجب عندما تراها مستوية على ساقها في صميم الصحراء القاحلة، وفى مهب الرياح السافية. فكيف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت