الصفحة 57 من 212

فى صميم السيرة * معالم النبوة: كما يرصد علماء الفلك من أرضهم القريبة أجرام السماء العالية، وكواكبها القاصية. وكما يستطيعون بآلاتهم الصغيرة ووسائلهم القصيرة، أن يعطوا فكرة عن أبعادها وأحجامها وأشعتها وداراتها... كذلك نرصد نحن أصحاب النفوس المحدودة والمواهب المعتادة- معالم النبوة المحمدية في أفقها السامى، ثم نتحدث عن أشعتها الهادية، وأمجادها الرفيعة، وآثارها الخالدة، كما يتحدث السائرون في النهار عن ضحوة الشمس، أو السائرون بالليل عن ضياء البدر، أو حديث الأذهان الكليلة عن العبقريات المدهمة، والأقدار الهزيلة عن الأقدار المعلمة. ولن نمثل للناس من معالم النبوة إلا أطرافا يسيرة، ومهما اجتهدنا في تصويرها فلن نعدو قول البوصيرى: إنما مثلوا صفاتك للناس كما مثل النجوم الماء! لقد مضت قرون طوال على ظهور محمد صلى الله عليه وسلم في التاريخ. ولكن الآثار الغائرة والأحداث العميقة التى خلفها من بعده لا تزال قائمة ولن تزال كذلك. فالأمة التى صنعها بيديه، والرسالة التى أوحيت إليه، هى أشرف مواريث الإنسانية طرا. وسيموج العالم بعضه في بعض، وتصطرع مذاهب وآراء، وتتفانى شعوب وأجيال، ويبقى بعد ذلك دين محمد العظيم، يبقى الربوة العاصمة من الغرق في هذا الطوفان الفوار. وسيبحث العالم كله عن الحق والسلام والعدالة. ومهما أجهد نفسه فلن يجد إلى ذلك سبيلا، إلا إذا عرف الطريق إلى محمد عليه الصلاة والسلام، فمشى على سنته، واستقام على هديه، واستظل بلوائه، وألقى إليه السلم..!! أجل، لقد قطعت الإنسانية ثلاثة عشر قرنا أو يزيد بعد رسالة محمد تنفي، وخطت الحضارة أشواطا فسيحة إلى الأمام، واطردت سنة التطور في كل شىء. وقد يقال: ماذا يصنع دين، أو ماذا تصنع الأديان جملة، وقد جاءت في العصور الوسطى ونحن الآن في عصور أخرى؟ ص _058

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت