الصفحة 61 من 212

عيد ميلاد أحمد بين ميلاد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم وميلاد موسى عليه السلام تشابه قريب، يرجع إلى أن الحق تبارك وتعالى حين يصطنع عبدآ لنفسه، ينشئه تنشئة لا أثر فيها لتوجيه الناس، ولا محل فيها لرعاية أحد من الأقربين أو الأبعدين، ولا حاجة فيها لتدخل العباد ما دام الأمر- من قبل ومن بعد- يخص السيد وحده! . ولقد فقدت أم موسى وليدها، هى لما تنته من آثار وضعه. فهل فقد موسى عطف الوجود حين بدل من صدر أمه صدر الأمواج الهائجة المائجة، بعد أن ألقى التابوت بوديعته الغالية في ثبج اليم الطامى؟ لا، لأن الله- الذى تخفق اللجج بتسبيحه- كان قد تكفل بكل شىء عندما قال: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) . وكذلك كان حال محمد صلى الله عليه وسلم في بحر الحياة، ولئن كانت معجزة موسى في طفولته محسوسة لقد كانت معجزة محمد صلى الله عليه وسلم- كشأن رسالته- لطيفة معقولة. مات أبوه الشاب ولم تسعد عيناه برؤية أعظم طفل دفعت به أرحام الأمهات إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وبرز"اليتيم"العبقرى إلى الوجود، وقد فقد حنان أبيه، ولكنه لم يفقد حنان ربه! وماتت أمه في الطريق بين مكة والمدينة، فأسرعت أم أيمن لتحتضن طفلا لم يتجاوز الخامسة من عمره. طفلا فقد أبويه كليهما، ولكن حظه من رحمة الله يربو ويتضاعف كلما تقدم العمر. ومات جده وآواه عمه إليه، وكان رجلا فقيرا نبيلا، فكان على اليتيم الفريد أن يعمل مع عمه ليعيش، فتراه في العاشرة من سنه يسافر ويتاجر ويكدح. حتى إذا رآه أحد الرهبان، وقد نضح إشراق روحه على قسمات وجهه، أدرك أن أمورا في مستقبل الحياة الإنسانية ستقضى على يدى هذا الشاب، فهو يتساءل عنه وعن والده ثم يتمتم: ما ينبغى أن يكون أبو هذا حيا! ص _062

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت