الصفحة 62 من 212

وهب يا صاحبى أن أباه كان حيا ماذا كان يفعل له؟ لقد كان يعقوب حيآ، وأبى الله إلا أن ينترع يوسف من بين أحضانه، وبدلا من أن يتربى في بيت النبوة درج بين مفاتن القصور، وظلمات السجون، وأحاط به من لا يعينون على خير، بل من يغرون بالشر ويدفعون إليه دفعا، فماذا كان مستقبل يوسف الصديق؟ كان لهب الشقاء الذى صادفه حرارة أنضجت بذور الشرف في كيانه الخاص، فإذا نفسه تتفتق عن إيمان وشرف، وعفاف وصدق. هى العناصر التى زوده بها القدر وهو جنين. والرجال الذين تصطفيهم العناية العليا يصنعون على هذا الغرار، فليس آباؤهم غارسى شمائل العظمة في طبائعهم بالتربية والتكلف، بل إن آباءهم لا يصنعون شيئا. وما ضر محمدا صلى الله عليه وسلم أن يولد يتيما. وصدق الراهب الذى قال: ما ينبغى أن يكون أبو هذا حيا. إن الذى قال لموسى: (و لتصنع على عيني) قال لأخيه الأكبر محمد صلى الله عليه وسلم: (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم * ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم) . * * * * هذا العلم معجزة... سل نفسك: من ألهم الأمى رسالة تفخر العقول الذكية بالفقه فيها، وتؤلف في شرح دقائقها وبيان وجوه حكمتها وغرائب أسرارها، مكتبات فيها ألوف من الرسائل والمجلدات. مكتبات يعدو على إحداها زمن جاهل يلقى بأسفارها إلى النهر فإذا طاف الماء الصافى تسود من فرط المداد! مكتبات لا تزال مدائن العالم الكبرى تقتنيها وتحرص عليها! تتضافر كلها على ماذا؟ على خدمة الرسالة التى بعث بها النبى الأمى الذى لم يدخل مدرسة، ولم يجلس إلى أستاذ في جامعة! ولكنه هو الذى شاد دور العلم، ووضع حجر الأساس في الجامعات بما خلف من ثروة عقلية تطلع مع الشمس وتبقى على الآباد: ص _063

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت