الصفحة 92 من 212

إن الخبراء بأحوال المجتمعات الفاسدة يعرفون بفطرتهم ما سيلقاه مصلحوها من عناء. وقد كان ورقة بن نوفل صادق الحدس عندما قدر أن مكة سوف تتمرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتأبى مقامه فيها، وجاش في نفسه حب النجدة والانتصار للحق المستضعف، فقال: ليتنى فيها جذعا إذ يخرجك قومك. فتساءل النبى صلى الله عليه وسلم دهشا:"أو مخرجى هم.."؟! إنه تساؤل الرجل الشريف، البعيد عن خواطر الشر ووساوس السوء. لا يمر بفؤاده السمح ظل للعدوان فهو لا يفترضه في غيره! ثم هو بأمانته ومروءته وطيد المنزلة بين الناس، فما الذى يؤلب الناس عليه ويحملهم على إخراجه؟ بيد أن ورقة يؤكد ما يقول:"ما أتى رجل قومه بمثل ما جئت به إلا أخرجوه، ولئن يدركنى يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا". وقد حدث ما توقعه ورقة، بل تمخضت الأحداث عن عدوان أشد. فلم يخرج الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقط، بل وضعت الجوائز المغرية لمن يأتى به حيا أو ميتا بعد ما أخفقت المؤامرة المبيتة على سفك دمه! إن كبرياء السادة، وملق الأتباع، يضع أمام المصلحين عقبات جساما دون تحطيمها جهاد وجلاد، وينبغى أن يتهيأوا لذلك حتى لا تروعهم المفاجأة وما أحسن قول المتنبى: عرفنا الليالى قبل ما صنعت بنا فلما دهتنا لم تزدنا بها علما إن العداوة بين التوحيد والشرك بدأت عنيفة جدا، برغم أن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ حاول جاهدا أن يلطف من حدتها، وأن يتجنب مضاعفاتها، وأن يضفى من فضله ونبله على ما حوله، فهو يصل من قطعه، ويعطى من حرمه، ويعفو عمن ظلمه، ويصابر السفهاء، ويلين للمشاغبين. لكن ذلك كله لم يجد فتيلا مع من اتخذ إلهه هواه...! وهكذا أثبت تاريخ"العنجهية الوثنية"أن ترويضها مستحيل. وأن تلطف الأنبياء معها لم يزدها إلا ضراوة، وأن وحشيتها لا علاج لها إلا تقليم الأظافر وتحطيم الأنياب، وأنها لو استطاعت سفك الدم الحرام قتلت، ولو استطاعت كبت الحريات فعلت. لا يثنيها شئ أبدا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت