فهرس الكتاب
لن تثنى لأصحاب الحق عزما، أو تقيد لهم قدما. وآيات هذه السورة ترمى إلى مجاهرة الكافرين بهذه الحقيقة الرائعة، وهى أن كتيبة الله ص _095
انطلقت لأداء رسالتها، وعرفت أنها متمردة على الأوضاع الباطلة، ثم هى مسرورة بهذا التمرد، أنسة به، وأنه يزداد سرورها عندما يعلم الكفار ذلك، وعندما يوقنون بأن الكتيبة المؤمنة قد بنت حاضرها ومستقبلها على ذلك، فلن ترجع إلى الكفر حتى يلج الجمل في سم الخياط.. والرسول العظيم في هذه الخطة يقتفى أثر جده إبراهيم لما نابذ قومه بالخصومة، ونجعل من أهله المؤمنين حزبا يمثل الحق وينافح عنه. (وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون * إلا الذي فطرني فإنه سيهدين * وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون) . * * * على أن الصبر على أعباء الرسالة التى تدبر للإنسانية حدثا ضخما، يعارضه من الناحية المقابلة صبر من الجامدين على موروثاتهم المقدسة واستماتة في الدفاع عنها. وهنا يدخل الفريقان في مبارزة بالصبر أقسى وأنكى من المبارزة بالسلاح، والفائز فيها أطول الفريقين إصرارا. وأشدهم تحملا، وأكثرهم بذلا وأرضاهم بتقديم التضحيات الجسيمة، وأجرؤهم على اقتحام الأهوال العظيمة. ولن يكتب النصر للإيمان إلا إذا توفرت هذه الشرائط كلها لأتباعه، فإن الباطل سيسخر من الحق سخرية لاذعة طويلة اللسان: (و إذا رآ ك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم و هم بذكر الرحمن هم كافرون) . وسيبدى الباطل أنه لم يأبه للصيحات التى تناولته، وأن هذا الحق الجديد وأصحابه المغرورين به ليسوا إلا سحابة صيف عن قليل تنقشع، وأنها لم تغير شيئا مما كان. ولن تستطيع ذلك.. ويقولون في عناد: (وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا * إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا) . ص _096