الصفحة 96 من 212

وسوف يجنح الكفار إلى المال- وما أقوى سلطان المال- يستغلونه للرشوة وشراء العقائد وتخريب الذمم، فإن عجزوا عن ذلك استغلوه في إشعال حرب مهلكة لتأديب الثائرين- كما يقولون- ولإعادة المياه إلى مجاريها! والعدل في البيئات الظالمة كالنور في الليالى المظلمة، كالتوحيد في الأم المشركة، كل ذلك خروج عن المألوف. فهو ثورة تستنكر ويحارب أصحابها. وعلى الموسومين بأنهم ثوار أن يصبروا على هذه التسمية وما تستلزمه من معاملات يفرضها ناموس الأوضاع القديمة إلى أن يأذن الله بزوال هذه الأوضاع.. وقد كان الرسول الكبير صبارا على مطالب رسالته، ناهضا بأعباء دعوته، وهو يعالج أمة في أخلاقها وحشة ورهبة، وكأنها ظلال للصحراء التى تسكنها من قديم. وفي كنف هذا الرسول تربى جيل من البشر هيهات أن يوجد مثله بلاء ووفاء وتقديرا لقيم الرسالات ووزنا للرجال بمعاييرها الصحيحة. إنه جيل لم ينكص أمام أى نوع من أنواع التضحية طلب إليه.. ضحى بكل شىء لكى يسلم له دينه فحسب. خرج صهيب مهاجرا فاتبعه نفر من مشركى قريش فنزل عن راحلته ونثل ما كان في كنانته وقال: والله لا تصلون إلى أو أرمى بكل سهم معى، ثم أضرب بسيفى ما بقى في يدى.. وإن شئتم دللتكم على مال دفنته بمكة! وخليتم سبيلى. فقالوا: دلنا! ففعل. فلما قدم على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نزلت فيه هذه الآية: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رء وف بالعباد) . ومن عمل العقيدة العميقة في النفس أنها تهيج صاحبها حتى تجشمه فوق طاقته من عمل. فإن الله عز وجل عذر في الهجرة من لا يستطيعها من الشيوخ العجزة، ولكن شيخا مريضا من بنى ليث حدثته قوة الإيمان في نفسه، وأوحت إليه الرسالة الصادقة التى يعمل لها، أنه أهل للهجرة، فقال: والله ما أنا ممن استثنى الله عز وجل وإنى لأجد حيلة . ولى من المال ما يبلغنى المدينة وأبعد منها . والله لا أبيت بمكة، أخرجونى . ص _097

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت