وعلى هذا السنن النبوي سار الموفقون من سلف هذه الأمة، فكانوا يكثرون الختمات؛ فكان أبو رجاء العطاردي يختم في كل عشر. وكان قتادة يختم في كل سبع دومًا، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر كل ليلة. وكان الأسود النخعي يختم في كل ليلتين. قال ابن رجب: (وإنما ورد النهي عن قراءة القرءان في أقل من ثلاث، على المداومة على ذلك. فأما في الأوقات الفاضلة، كشهر رمضان، خصوصًا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر، أو في الأماكن المفضلة، كمكة، شرفها الله، لمن دخلها من غير أهلها، فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرءان، اغتنامًا للزمان والمكان) .
وإنه لمن دواعي الأسى أن يمر شهر رمضان ببعض المسلمين دون أن يختم ختمة واحدة! فضلًا أن يشتغل بتدبره، وتفسيره. ومما يعين على كثرة التلاوة أمور:
أحدها: أن يواظب الصائم على القعود في مصلاه بعد صلاة الصبح، مشتغلًا بذكر الله وقراءة القرءان، حتى ترتفع الشمس، فيتمكن بذلك من قراءة جزئين من القرءان. وكانت عائشة، رضي الله عنها، تقرأ في المصحف أول النهار، في شهر رمضان، فإذا طلعت الشمس نامت.
الثاني: أن يجتمع مع نفر من أصحابه على قراءة كتاب الله، في بيت من بيوت الله.
الثالث: أن يحرص على التبكير إلى الصلوات الخمس، فيقرأ ما كتب الله له بين الأذان والإقامة، وبعد الفريضة.
ثانيًا: تدبر القرآن:
قال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ 29} ص وقال: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا 82} النساء. وقال: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا 24} محمد. وقال: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الْأَوَّلِينَ 68} المؤمنون. وثمرة هذا التدبر حصول الهدى والبشرى. قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا 9} الإسراء.
قال ابن القيم، رحمه الله: (فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن، وإطالة التأمل فيه، وجمع الفكر على معاني آياته) مدارج السالكين: 1/ 451.
قال الشيخ عبدالرحمن السعدي، رحمه الله: (على الناس أن يتلقوا معنى كلام الله كما تلقاه الصحابة رضي الله عنهم فإنهم كانوا إذا قراوا عشر آيات أو أقل أو أكثر لم يتجاوزوها حتى يعرفوا ويحققوا ما دلت عليه من الإيمان والعلم والعمل فينزلونها على الأحوال الواقعة يؤمنون بما احتوت عليه من العقائد والأخبار وينقادون لأوامرها ونواهيها ويطبقونها على جميع ما يشهدون من الحوادث والوقائع الموجودة بهم وبغيرهم ويحاسبون أنفسهم هل هم قائمون بها أو مخلون بحقوقها ومطلوبها وكيف الطريق إلى الثبات على هذه الأمور النافعة وتدارك ما نقص منها وكيف التخلص من الأمور الضارة فيهتدون بعلومه ويتخلقون بأخلاقه وآدابه ويعلمون أنه خطاب من عالم الغيب والشهادة موجه إليهم مطالبون بمعرفة معانيه والعمل بما يقتضيه فمن سلك هذا الطريق الذي سلكوه وجد واجتهد في تدبر كلام الله انفتح له الباب الأعظم في علم التفسير وقويت معرفته واستنارت بصيرته وأستغنى بهذا الطريق عن كثرة التكلفات وعن البحوث الخارجية وخصوصا إذا كان قد أخذ من علوم العربية جانبا قويا وكان له إلمام وإهتمام بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم واحواله مع أولياءه وأعداءه فإن ذلك أكبر عون على هذا المطلب ومتى علم العبد أن القرآن فيه تبيان كل شئ وأنه كفيل بجميع المصالح مبينا لها حاثا عليها زاجرا عن المضاركلها وجعل هذه القاعدة نصب عينيه ونَّزلها على كل واقع وحادث سابق أو لاحق ظهر له عظم موقعها وكثرة فوائدها وثمرتها) القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن:17
هذا، وإن من دواعي حصول التدبر، ما يلي:
أولًا: التلاوة بترتيل وطمأنينة: ففي حديث حفصة، رضي الله عنها: (وكان يقرأ بالسورة فيرتلها، حتى تكون أطول من أطول منها) رواه مسلم.
ثانيًا: ترداد الآية: فعن أبي ذر، رضي الله عنه، قال: (قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية حتى أصبح، يرددها، والآية: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ 118} المائدة. رواه النسائي، وابن ماجة، وأحمد. وقال البوصيري: إسناده صحيح ورجاله ثقات.