الصفحة 4 من 5

وروى أبو عبيد القاسم بن سلام بسنده عن تميم الداري، رضي الله عنه، أنه أتى المقام ذات ليلة، فقام يصلي، فافتتح السورة التي تذكر فيها الجاثية، فلما أتى على هذه الآية {أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ 21} الجاثية. فلم يزل يرددها حتى أصبح. فضائل القرآن:79.

وروى الإمام أحمد في (الزهد) بسنده عن عروة، قال: دخلت على أسماء بنت أبي بكر، وهي تصلي، فسمعتها وهي تقرأ هذه الآية: {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ 27} الطور، فاستعاذت، فقمت وهي تستعيذ، فلما طال علي، أتيت السوق، ثم رجعت، وهي في مكانها تستعيذ.

وروى عبدالرزاق عن سفيان عن سعيد الطائي قال: رأيت سعيد بن جبير، وهو يؤمهم في رمضان، يردد هذه الآية: {إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ 71} {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ 6} الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ {7} الانفطار يرددها مرتين ثلاثا. المصنف:2/ 492.

وأخرج أبو عبيد القاسم بن سلام، والفريابي عن محمد بن كعب القرظي، رحمه الله، قال: (لئن أقرأ في ليلتي حتى أصبح(إذا زلزلت) و (القارعة) لا أزيد عليهما، أتردد فيهما، وأتفكر، أحب إلي من أن أهذ القرآن ليلتي هذا) فضائل القرآن:91.

وسر هذا الاسترسال في التدبر ما أوضحه سهل بن عبدالله التستري، رحمه الله، بقوله: (لو أعطي العبد بكل حرف من القرآن ألف فهم لم يبلغ نهاية ما أودع الله في آية من كتابه، لأنه كلام الله، وكلامه صفته. وكما أنه ليس لله نهاية فكذلك لا نهاية لفهم كلامه) مقدمة تفسير البسيط للواحدي:1/ 43.

ثالثًا: مدارسة القرآن:

في حديث ابن عباس، رضي الله عنهما: (كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرءان. وكان جبريل يلقاه في كل ليلة في رمضان، فيدارسه القرءان، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة) متفق عليه.

قال ابن رجب، رحمه الله: (دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان، والاجتماع على ذلك، وعرض القرآن على من هو أحفظ له) لطائف المعارف:315.

ومدارسة القرآن تشمل مدارسة ألفاظه، ومدارسة معانيه، بل هي أعظم. فينبغي أن يكون للمؤمن عناية خاصة بفهم مراد الله في خطابه لعباده، مستنيرًا بالتفاسير الأثرية المعتبرة. ومما يعين على تحصيل هذا المقصود:

أولًا: أن يتخذ للتلاوة مصحفًا على حاشيته بيان لمعاني المفردات.

ثانيًا: أن يطالع في تفسير متوسط؛ ليس بالطويل الذي ينقطع دونه، ولا بالمختصر الذي لا يسعفه بالمعنى. كتفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي، و (زبدة التفسير من فتح القدير) لمحمد بن سليمان الأشقر.

ثالثًا: أن يعقد مع ثلة من إخوانه مجلس قراءة في بعض التفاسير، أو كتب علوم القرآن مثل كتاب: (القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن) .

رابعًا: أن يقيد ما يشكل عليه فهمه أثناء تلاوته، أو يطرأ على باله من معنى، ثم يسعى في بحثه، والسؤال عن عنه.

رابعًا: القيام بالقرآن:

قال تعالى: {لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ 113} آل عمران.

وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يطيل القراءة في قيام رمضان بالليل أكثر من غيره. وقد صلى معه حذيفة ليلة في رمضان، قال: (فقرأ بالبقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، لا يمر بآية تخويف إلا وقف وسأل. قال: فما صلى الركعتين حتى جاءه بلال فآذنه بالصلاة) رواه أحمد.

وأمر عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أبي بن كعب، وتميمًا الداري، رضي الله عنهما، أن يقوما بالناس في شهر رمضان. فكان القارئ يقرأ بالمائتين في ركعة، حتى كانوا يعتمدون على العصي من طول القيام. وما كانوا ينصرفون إلا عند الفجر.

وقارن هذا الحال بحال بعض المسلمين اليوم! من النقارين للصلوات، المتسابقين في الفراغ من القيام، والخروج من المساجد!

خامسًا: التخلق بالقرآن:

قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ 4} القلم. قالت عائشة، رضي الله عنها: (كان خلقه القرآن) رواه مسلم. وفي رواية عنها: (يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه) ، وفي أخرى: (اقرأ:"قد أفلح المؤمنون"إلى العشر) . قال ابن كثير، رحمه الله: (ومعنى هذا أنه عليه السلام، مهما أمره به القرآن امتثله، ومهما نهاه عنه تركه) البداية والنهاية: 6/ 35

سادسًا: الجهاد والدعوة بالقرآن:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت