المبحث الأول: ماهية القضاء والقدر
حيث أن هذا المبحث سيتضمن ثلاثة مطالب , الأول: يتناول نشأت القضاء والقدر, والثاني: معنى القضاء والقدر, أما الثالث: فيتناول الفرق بين القضاء والقدر, وهي كالآتي: -
المطلب الأول:- نشأت القضاء والقدر.
إن الإيمان بالقدر ملازم للإيمان بالمعبود منذ أقدم العصور فقبل الأديان الكتابية , وقبل الأديان الكبرى التي آمنت بها أمم الحضارة في العصور القديمة ,كان الإنسان في جهالته الأولى يؤمن بالأرباب والأرواح , ويعبدها لأنها تتصرف في شؤونه , وتمنعه بعض ما يحب ,وتبتليه ببعض ما يكره , وتتدخل بإرادته فيما يريد وما لا يريد. [1]
حيث إن مسألة القضاء والقدر قد بحثها الفلاسفة اليونان واطلقو عليها ثلاث تسميات: القضاء والقدر , الجبر والاختيار , حرية الإرادة , وكلها تدور حول ما يحدث من الإنسان من أفعال , وهل هو حر في إحداثها أو عدم إحداثها , أم مجبر على القيام بها؟ وقد اختلف الفلاسفة اليونان في نظرتهم إلى هذه المسالة فرأى الابيقوريون أن الإرادة حرة في الاختيار والإنسان يفعل جميع الأفعال بارادتة واختياره دون أي اكراة. أما الرواقيون فقد قالوا بان الإرادة مجبرة على السير في طريق لا يمكنها ان تتعداها , والإنسان لا يفعل شيئا بارادتة وإنما هو مجبور على فعل أي شئ , ولا يملك أن يفعل أو لا يفعل. [2]
فالهنود الأقدمون يجعلون للقدر الحكم الذي لا حكم غيرة في جميع الموجودات ومنها آلة والناس. وكان الهنود الأقدمون يؤمنون بسيطرة الكارما أو القدر على الزمان والمكان , وعلى الخالق والمخلوق. أما المجوس فحل مشكلة القدر بعقيدتهم في الثنوية , وانقسام الوجود إلي اله النور , وآلة الظلام فكل ما غلب عليه اله النور فهو خير , وكل ما غلب عليه اله الظلام فهو شر , ولا عاصم لإله النور نفسه من غلبة الشر عليه في تلك الحرب السجال التي لا تنتهي إلا بنهاية للكون كله تتخبط فيها الظنون. [3]
أما المعتزلة فراو بمسالة القضاء والقدر أنها إرادة فعل العبد , وما يحدث في الأشياء من خاصيات نتيجة فعل الإنسان. وفحوى رأيهم إن العبد حر الإرادة في أفعالة كلها , وانه هو الذي يخلق أفعاله , ويخلق الخواص التي تحدث في الأشياء من أفعاله. ورأيهم هذا اثأر ثائرة المسلمين , فقام جماعه يسمون بالجبرية فقالوا: أن الإنسان مجبر , وليست له إرادة حرة ولا قدرة على خلق أفعالة , وهو كالريشة في مهب الريح , أو كالخشبة بين يدي الأمواج , وإنما يخلق الله الأعمال على يديه. أما القدرية فقد زعموا أن علم الله تعالي لم يسبق وجود الأشياء عند حدوثها , لذلك عرف عنهم قول"الأمر انف"أي يستأنف الله علم الأشياء عند حدوثها , ولاعلم له بها قبل ذلك. وهذا قول باطل , وكفر صريح , لأنة بنسب إلى الله تعالى الجهل بالأشياء قبل حدوثها. أما الماتردية والاشاعرة بما يلي: يجب الإيمان بان الله تعالى علم وأراد جميع الموجودات وقضى بها , ثم تعلقت قدرته سبحانه بها فأوجدها على ذلك القدر المحكم: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [4] . وليس للإنسان إلا الكسب الذي به يثاب وعليه يعاقب. والخالق لكل شئ هو الله سبحانه وتعالى. [5]
وبالتالي فان القدر هو علم الله تعالى وقدرته ومشيئته لا شر فيه بوجه من الوجوه , بل هو خير محض , وإنما يدخل الشر الجزء الإضافي في الشئ المقضي والمقدر , ويكون شرا بالنسبة إلى محل , وخيرا بالنسبة إلى محل آخر , وذلك كالقصاص فانه شر بالنسبة إلي من يقام عليهم من وجه , وخير بالنسبة إلى غيرهم من وجه آخر , لما فيه من مصلحة الزجر والردع عن ارتكاب الجنايات.
المطلب الثاني:- معنى القضاء والقدر
* القضاء لغة: قال ابن فارس:"القاف والضاد والحرف"قضى"أصل صحيح يدل على أحكام أمر واتقانة وانفاذة لجهته"وقال في النهاية:"القضاء في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشئ وتمامه"وترجع إليه جميع المعاني في اللغة العربية , وورود لفظ القضاء ومشتقاته كثيرا في القران , وكل معاني هذه اللفظة قد تأتي متداخلة أحيانا , ولكنها في النهاية ترجع إلى الأصل الثابت وهو: إحكام الأمر واتقانة وانفاذة على جهته. [6]
والقضاء بمعنى الحكم واصلة قضاي. لأنة من قضيت. إلا أن الياء لما جاءت بعد الألف هزت. قال ابن السيرافي: قضاهما: فرغ من عملهما. والقضاء الحكم والأمر. وقضى أي حكم. وسنة القضاء والقدر , ويذكر الفيروز أبادي: إن القضاء بالمد والقصر الحكم. وقضى عليه يقضي قضيا , وقضاء وقضية هي الاسم. والقضاء الصنع والحكم والبيان , وفصل الأمر. فعلا كان أو قولا. وكل منهما على وجهين: الهي وبشري , فمن الإلهي قولة تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا} [7] أي أمر ربك. وقولة تعالي: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ} [8] هذا قضاء بالإعلام أي اعملناهم , وأوصينا إليهم وحيا وجزما. [9]
? ... ومن المعاني التي وردت في القران الكريم للقضاء:-
جاء القضاء بمعنى الأمر قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا} [10] وقضى أي أمر , فالقضاء هنا بمعنى الأمر (وقضى ربك) أي أمر بك سبحانه وتعالي بعبادته وحدة لا شريك له. وجاء أيضا القضاء في القران بمعنى الإنهاء قال تعالي: {وَقَضَيْنَا} [11] وجاء القضاء بمعنى الحكم , قال تعالي: {َاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ} [12] أي اقض واصنع واحكم و وافعل ما شئت , وما وصلت إليه يدك عن سحرة فرعون (اقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ) فالقضاء هنا بمعنى: الحكمة. [13]
* القدر لغة: يقال في اللغة (قدر الأمر وقدَرة) : دبره , والشئ بالشئ: قاسه وجعله على مقداره. وقدر الشئ قدارة: هيأة وقته , قدر وقدَر على عياله: ضيق وقدر الشئ أي قدَرة. [14]