والقدر في الاصطلاح: (ما سبق به العلم , وجرى به القلم مما هو كائن إلى الأبد , وأنة عز وجل قدر مقادير الخلائق , وما يكون من الأشياء من قبل أن تكون في الأزل , وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده تعالى , وعلى صفات مخصوصة , فهي تقع على حسب ما قدرها) . وقال ابن حجر في تعريفه: المراد أن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها , ثم اوجد ماسبق في علمه انه يوجد , فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وارادتة. [15]
ومن المعاني التي وردت في القران الكريم للقدر: -
وردت كلمة قدر في القران الكريم بعدة معان. قال تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} [16] أي امرأ مبرما أو قضاء محكما. وقال تعالي: {َقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} [17] يعني فضيق عليه رزقه. وقال تعالى: {فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} [18] أي: وفق أمر محتوم قدرة الله في سابق علمه وكتب في اللوح المحفوظ , وهو هلاك قوم نوح بالطوفان. [19]
المطلب الثالث: - الفرق بين القضاء والقدر
من أهل العلم من قال: لا فرق بين القضاء والقدر , فكل منهما يدخل في معنى الأخر , فإذا أطلق التعريف على احدهما فيشمل الآخر , بمعنى: إذا أطلق التعريف على القضاء فانه يشمل القدر , وإذا أطلق التعريف على القدر فانه يشمل القضاء والفريق الآخر قال: لا , هناك فرق بين القضاء والقدر. فالقضاء: هو الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في الأزل. اماالقدر فهو الحكم في وقوع الجزئيات لهذه الكليات التي قدرت في الازل. فالقضاء اشمل واعم من القدر. [20]
والقضاء من الله اخص من القدر , لأنة الفصل بين التقدير , فالقدر هو التقدير , والقضاء هو الفصل والقطع. وذكر العلماء أن القدر بمنزلة المعد للكيل , والقضاء بمنزلة الكيل. والقضاء هو التفصيل والقطع , ولهذا قال أبو عبيدة لعمر و لما أراد الفرار من الطاعون من الشام: أتفر من القضاء؟ قال: افر من قضاء الله إلى قدر الله. تنبيها أن القدر مالم يكن قضاء فمرجو أن يدفعه الله فإذا قضي فلا يندفع. [21]
ويظهر أن كلمتي قضاء وقدر وردتا , وكان لكل منهما معنى معين فلا علاقة لهما في بحث القضاء والقدر. فكلمة قضاء بجميع معانيها اللغوية والشرعية التي وردت عن الشارع الأقدس , وكلمة قدر بجميع معانيها اللغوية والشرعية التي وردت عنه تعالي , لا علاقة لأي منهما لا منفردين ولا مجتمعين في بحث القضاء والقدر , وإنما يقتصر فيهما على ما ورد من معنى , لغة وشرعا لأي منهما. [22]
المبحث الثاني: أركان الإيمان بالقضاء والقدر
حيث سأتناول في هذا المبحث الأركان الاربعه للإيمان بالقضاء والقدر حيث الركن الأول هو الإيمان بعلم الله الشامل المحيط وساتناولة بالمطلب الأول إما المطلب الثاني سأتناول فيه الإيمان بكتابة الله في اللوح المحفوظ لكل ما هو كائن إلى يوم القيامة وإما المطلب الثالث فسأتحدث عن الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته التامة فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأما المطلب الرابع فسأتحدث عن خلقه تبارك وتعالى لكل موجود لا شريك له في خلقه وهي كالأتي:
المطلب الأول: الإيمان بعلم الله الشامل المحيط.
أما هذا الركن فأنة يتحدث عن العلم السابق فقد اتفق عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم واتفق عليه جميع الصحابة ومن تبعهم من الأمة وخالفهم مجوس الأمة وكتابته السابقة تدل على علمه بها قبل كونها. [23]
وقد كثر في كتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم تقرير هذا الاصل العظيم , فعلم الله محيط بكل شئ , يعلم ماكان , وما سيكون , وما لم يكن ولو كان كيف يكون , ويعلم الموجود والمعدوم , والممكن والمستحيل. وهو عالم بالعباد وآجالهم وأرزاقهم وأحوالهم وحركاتهم وسكناتهم وشقاوتهم وسعادتهم , ومن منهم من أهل الجنة , ومن منهم من أهل النار من قبل أن يخلقهم , ويخلق السماوات والأرض. قال تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [24] ... وقال: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [25] وروى البخاري في صحيحة عن ابن عباس قال: (سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين , فقال: الله اعلم بما كانوا عاملين) [26] وفي رواية عند مسلم أيضا من عائشة قالت: (دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار , فقلت: يا رسول الله , طوبى لهذا , عصفور من عصافير الجنة , لم يعمل السوء ولم يدركه) قال: أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق للجنة أهلا و خلقهم لها وهم في أصلاب إبائهم) [27] وهذه الأحاديث تتحدث عن علم الله في من مات صغيرا , لا أن هؤلاء يدخلهم الله النار بعلمه فيهم من غير إن يعلموا. [28]
وهو سبحانه كما هو العليم الحكيم بما في أمرة وشرعة من العواقب الحميدة والغايات العظيمة , ولما كان العبد يحتاج في فعل ما ينفعه في معاشة ومعادة إلى علم ما فيه من المصلحة وقدره عليه وتيسره له وليس له من شئ من ذلك بل علمه ممن علم منة فإن لم ييسره عليه وإلا فهو متعسر عليه بعد اقدارة. [29]
والحق أن وجود هذا الكون , ووجود كل مخلوق فيه يدل دلالة واضحة على أن الله علم به قبل خلقه , فإنه يستحيل ايجادة الأشياء مع الجهل , لان ايجادة الأشياء بإرادته و والإرادة تستلزم تصور المراد , وتصور المراد هو العلم بالمراد , فكان الإيجاد مستلزما للإرادة , والإرادة مستلزمه للعلم , فالإيجاد مستلزم للعلم. [30]
المطلب الثاني: الإيمان بان الله كتب في اللوح المحفوظ كل شئ
دلت النصوص من الكتاب والسنة على أن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ كل شئ , ففي الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحة عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة , قال: وعرشه على الماء) [31] .
حيث أن الله سبحانه وتعالى كتب ماعملة العباد وما تولد عن أعمالهم فيكون المتولد عنها كأنهم عملوه في الخير والشر وهو اثر إعمالهم فأثارهم هي اثأر أعمالهم المتولدة عنها. واجمع الصحابة والتابعون وجميع أهل السنة والحديث أن كل كائن إلى يوم القيامة فهو مكتوب في أم الكتاب وقد دل القران على أن الرب تعالى كتب في أم الكتاب ما يفعله وما يقوله فكتب في اللوح أفعاله وكلامه فتبت يدا أبي لهب في اللوح المحفوظ قبل وجود أبي لهب وقولة لدينا يجوز فيه أن تكون من صلة أم الكتاب أي أنة يكون من صلة الخبر انه علي حكيم عندنا ليس هو كما عند المكذبين به أي وان كذبتم به وكفرتم فهو عندنا في غاية الارتفاع والشرف والأحكام. [32]
وفي سنن الترمذي عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب القدر ما كان , وما هو كائن إلى الأبد) قال أبو عيسى الترمذي: وهذا حديث غريب من هذا الوجه) [33] .
واللوح المحفوظ الذي كتب فيه مقادير الخلائق سماه القران بالكتاب , وبالكتاب المبين , وبالإمام المبين , وبأم الكتاب , والكتاب المسطور. [34]
قال تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ 21} فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ {22} [35] وقال تعالى {َالطُّورِ 1} وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ [36] وقال تعالى: {َإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} [37] .
المطلب الثالث: الإيمان بمشيئة الله الشاملة وقدرته النافذة
وهذا الركن قد دل عليه إجماع الرسل من أولهم إلى أخرهم وجميع الكتب المنزلة من عند الله والفطرة التي فطر الله عليها خلقة وأدلة العقول والعيان ليس في الوجود موجب ومقتضى إلا مشيئة الله وحدة فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن هذا عموم التوحيد الذي يقوم بة المسلمون من أولهم إلى أخرهم مجمعون على أنة ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فجوزوا أن يكون في الوجود ما لايشاء الله وان يشاء ما لا يكون وخالف الرسل عليهم وإتباعهم من نفي مشيئة الله بالكلية ولم يثبت له سبحانه مشيئة واختيار اوجد بها الخلق كما يقوله طوائف من أعداء الرسل من الفلاسفة وإتباعهم والقران والسنة مملوان بتكذيب الطائفتين. [38]
ونصوص القران المصرحة لهذا الركن كثيرة ومنها قولة تعالى: {وَمَا تشاءون إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [39] وقولة تعالى: {َلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} [40] وقولة تعالى: {مَن يشأ اللّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [41] .
فما شاء الله تعالى كونه فهو كائن بقدرته لا محال , ومالم يشأ الله تعالى اياة لا يكن لعدم مشيئة الله وليش لعدم مشيئة الله ليس لعدم قدرته عليه قال تعالى: {وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [42] .
ويجب التنبيه إلى أمر وهو أن الله سبحانه له الخلق والأمر وإمرة سبحانه نوعان أمر كوني قدري وأمر ديني شرعي فمشيئة الله سبحانه متعلقة بخلقة وإمرة الكوني وكذلك تتعلق بما يحب وبما يكرهه كله داخل تحت مشيئة الله كما خلق إبليس وهو يبغضه وخلق الشياطين والكفار والأعيان والأفعال المسخوطة وهو يبغضها فمشيئة الله سبحانه شاملة لذلك كله وإما محبته ورضاه فمتعلقة بإمرة الديني وشرعه الذي شرعه على السنة رسله. [43]
المطلب الرابع: الإيمان بأن الله خالق كل شئ
قررت النصوص إن الله خالق كل شئ , فهو الذي خلق الخلق وكونهم وأوجدهم , فهو الخالق وما سواه مخلوق قال تعالى: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} [44] وقال تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [45] وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [46] .
وهذا أمر متفق عليه بين الرسل صلى الله عليهم وسلم وعليه اتفقت الكتب الالهيه والفطر والعقول و خالف في ذلك مجوس الأمة فأخرجت طاعات ملائكته وانبيائة ورسله وعبادة المؤمنين وهي اشرف ما في العالم عن ربوبيته وتكوينه ومشيئته بل جعلوهم هم الخالقون لها ولا تعلق لها بمشيئة الله ولا تدخل تحت قدرته وكذلك قالو في جميع أفعال الحيوانات الاختيارية فعندهم انه سبحانه لا يقدر أن يهدي ضالا ولا يضل مهتديا. وقد نادي القران الكريم بل الكتب السماوية كلها والسنة وأدلة التوحيد والعقول على بطلان قولهم وصاح بها أهل العلم والأيمان من أقطار الأرض وصف حزب الإسلام وعصابى الرسول وعساكره التصانيف في الرد عليهم. [47]
المبحث الثالث: مجالات القدر
وسأتحدث في هذا المبحث عن مجالات القدر وهي المجالات التي يجري فيها القدر الإلهي وهي ثلاثة أولاها الكون الكبير والثانية ما لادخل لنا فيه من خلقنا وحياتنا وأما المجال الثالث فهو أعمالنا الإرادية الاختيارية وعي كالآتي: -
المطلب الأول: ما يجري في الكون الكبير من حولنا.
فهذا المجال يتعلق بالنظام الكوني العام من دوران الأفلاك , وحركات الكواكب , وتصريف الرياح , وإجراء السحاب , وإنزال الأمطار , واختلاف الليل والنهار وما يجري على جميع النباتات والجمادات على تنوعها وتباينها , من الذرة إلى المجموعة الشمسية , إلى المجرات العظيمة في الفضاء الهائل. فهذه الأشياء علويها وسفليها , ما نبصر منها وما لانبصر , كلها تجري بتقدير الله , لا بغرب عن علمه منها شئ , ولا يخرج عن قبضة مشيئته وقدرته منها شئ و فهي تسير وفقا لما قدروه من سنن وقوانين , نظم بها عقد هذا الكون وفق مشيئته وحكمته تعالى. [48]
يقول تعالى: {وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ 37} وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ {38} وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ {39} لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [49] فهذه المخلوقات ولاجرام العظيمة خاضعة لمشيئة الرحمن , مسخرات بامرة جارية بتقديره , ولعل هذا الخضوع لأمر الله ومشيئته المهيمنة هو المعبر عنه في القران بالتسبيح قال تعالى: {ُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [50] .
المطلب الثاني: ما لادخل لنا فيه من خلقنا وحياتنا
وهذا المجال يتعلق بنا نحن المكلفين مما ليس لنا فيه أدنى إرادة ولا اختيار و مثال ذلك: خلقنا نفسه , لماذا خلقنا؟ ولماذا خلقنا بشرا؟ ولماذا خلق هذا ذكرا وهذه أنثى؟ ولماذا كان هذا غبيا وهذا ذكيا؟ هذه الأسئلة وما شابهها ليس لها جواب إلا محض إرادة الله والقدر الإلهي. [51]
قال تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [52] وقال تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ 49} أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [53] وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [54] وقال تعالى: {َمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ} [55] .
ففي هذه الأمور المذكورة نحن مسيرون مجبورون , تجري علينا المقادير بمراتبها الأربع السابقة , ولسنا مسؤلين عن شئ مما ذكر , ولا نحاسب عليه دنيا أو آخرة. لا نسال عن ذكائنا أو غبائنا , ولا عن بياضنا أو سوادنا , ولا عن طولنا أو قصرنا , ولا عن قبائلنا وشعوبنا. [56]
وهذا ما أحسن سلفنا الإيمان به , وسلموا الله فيه فصنعو الأعاجيب , وحققوا مايشبة المعجزات.
المطلب الثالث: أعمالنا الإرادية الاختيارية
والمقصود بأعمالنا الاختيارية: تلك التي يشعر الإنسان من نفسه أن له فيها إرادة وقصدا , وان له عليها سلطة وقدرة , مثل الأكل والشرب , واللبس من المباحات , ومثل الصلاة والصيام , والإنفاق والحج والجهاد والذكر من الطاعات , ومثل الزنا والسرقة , والقتل وشرب الخمر واكل الربا من المحظورات. [57]
أما علم الله بالأفعال قبل وقوعها , وكتابته إياها في اللوح المحفوظ فهو مما اتفق عليه طوائف المسيحيين من المعتزلة وأهل السنة وغيرهم , ولم يخالف فيه إلا (قدماء القدرية) الذين ادر كهم بعض الصحابة: كابن عمر وابن عباس وكجابر وغيرهم , وحكموا بكفرهم , ومروقهم من الإسلام و لأنهم يكذبون صريح القران , وما علم من الدين بالضرورة , وكان بعد عهد معاوية , أيام الصراع بين ابن الزبير وبني أمية. [58]
المبحث الرابع: اثر الإيمان بالقضاء والقدر
حيث يتناول هذا المبحث ثلاثة مطالب الأول سنجيب فيه على سؤال عل الإنسان مسير أم مخير؟ أما المطلب الثاني سنبين فيه أسباب الضلال في القدر والمطلب الثالث والأخير سأتحدث فيه عن ثمار الإيمان بالقضاء والقدر وذلك على النحو الأتي: -
المطلب الأول: الإنسان مسير أم مخير؟
ما المقصود بالتسيير والتخيير:
التسيير هو التصرفات والحركات التي تصدر من الإنسان خارج قصده وارادتة كالتثاؤب وحركة الارتعاش , والموت والمرض. أما التخيير فتلك التصرفات والأعمال التي تأتي ثمرة قصد وإرادة من صاحبها , كقيام احدنا إلى الصلاة , وخروجه من دارة لمباشرة عملة أو وظيفته , فالإنسان يتعرض لهذين النوعين من التصرفات , فانه يقع تحت سلطان حركات وتصرفات لا خيار له جذبها إليه ولا في ردها عنه , بل تتحكم به كما تتحكم الريح بالغصن , فليس معها قصد ولا خيار ولا إرادة. [59]
يقول تعالى: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ} [60] وفي هذه الآيات دلالة على ما معناه ما أصابك من شئ يسرك من صحة بدن أو ظفر بعدو أو وسعه رزق ونحو ذلك , فالله مبتديك بالإحسان به إليك , وما أصابك من شئ يسوءك ويغمك فبكسب يدك , لكن الله مع ذلك سابقه إليك والقاضي به عليك. [61]
إن حياة الإنسان تفيض بهذا النوع من التصرفات و حيث ليس فينا من لايعلم أنها تصرفات قسرية لا شان للإرادة فيها , وتصدر من الإنسان في الوقت ذاته تصرفات وإعمال و هو أمير نفسه فيها. [62]