نُصحت آمنةُ بنت وهبٍ بالصبر على مصابها الجلل، الذي لم يكن ليصدق عندهًا حتى إنها كانت ترفض العزاء في زوجها، ولبثت مكة وأهلها حوالي شهرًا أو أكثر وهي تترقب ماذا سوف يحدث بهذه العروس الأرملة التي استسلمت لأحزانها. وطال بها التفكير بزوجها الغالي عليها ، حتى إنها توصلت للسر العظيم الذي يختفي وراء هذا الجنين اليتيم، فكانت تعلل السبب فتقول أن"عبد الله"لم يفتد من الذبح عبثا! لقد أمهله الله حتى يودعني هذا الجنين الذي تحسه يتقلب في أحشائها. والذي من أجله يجب عليها أن تعيش.وبذلك أنزل الله عز وجل الطمأنينة والسكينة في نفس"آمنة"، وأخذت تفكر بالجنين الذي وهبها الله عز وجل لحكمة بديعة،"ألم يجدك يتيما فآوى" ( الضحى 6) . فوجدت"آمنة"في هذا الجنين مواساة لها عن وفاة زوجها ، ووجدت فيه من يخفف عنها أحزانها العميقة. فرح أهل مكة بخبر حمل"آمنة"وانهلوا عليها من البشائر لتهنئة"آمنة"بالخبر السعيد. وتتكرر الرؤى عند"آمنة"وسمعت كأن أحد يقولها"أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، ثم تسميه محمدا".
وجاءها المخاض فكانت وحيدة ليس معها أحد ولكنها شعرت بنور يغمرها من كل جانب، وخيل لها أن"مريم ابنة عمران"،"وآسية امرأة فرعون"، و"هاجر أم إسماعيل"كلهن بجنبها ، فأحست بالنور الذي انبثق منها ، ومن ثم وضعت وليدها كما تضع كل أنثى من البشر، وهكذا كان فقد:
ولد الهدى فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسم وثناء
الروح والملأ الملائك حوله للدين والدنيا به بشراء
والعرش يزهو والحظيرة تزدهي والمنتهى، والدرة العصماء
وهنا اكتملت فرحة"آمنة"فوليدها بجوارها، ولم تعد تشعر بالوحدة التي كانت تشعر بها من قبل. وفرح الناس وفرح الجد"عبد المطلب"بحفيده، وشكر الرب على نعمته العظيمة منشدا يقول:
الحمد الله الذي أعطاني هذا الغلام الطيب الأردان
قد ساد في المهد على الغلمان أعيذه من شر ذي شنآن
من حسد مضطرب العنان