فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 75

فإذا استشعر الحاج هذا المعنى العظيم, انبعث إلى مراقبة ربه _ عز وجل _ في شتى شؤونه, فالذي يطلع عليه في حجه مطلع على جميع أحواله _ كما مر _.

وهذا سرٌّ بديعٌ، ودرسٌ عظيمٌ تُفِيد منه الأمةُ بعامة، ويفيد منه الأفرادُ بخاصة؛ فواجب على المصلحين وقادةِ الأمم أن يتنبهوا لهذا المعنى، وأن يحرصوا على إشاعته في الناس؛ ذلكم أن وازعَ الدين والمراقبة لرب العالمين يفعل في النفوس ما لا يفعله وازعُ القوةِ والسلطان؛ فإذا أَلِفَ المرءُ أن يراقب ربه، ويستحضر شهوده واطلاعه عليه _ فإن المجتمعَ يأمنُ بوائقه، ويستريحُ من كثير من شروره.

أما إذا كان الاعتماد على وازعِ القوة، وحارسِ القانون _ فإن القوةَ قد تضعف، وإن الحارسَ قد يغفُل، وإن القانون قد يُؤَوَّل، وقد يُتَحايلُ للتخلص من سلطانه.

لذلك تكثر الجرائم والمفاسد إذا قلّت التربية الإسلامية في مجتمع ما، فإذا أشعنا هذا المعنى في الناس وعَمدْنا إلى تربيتهم بأسلوب الدين والفضيلة أرحنا واسترحنا، ووفَّرنا جهودًا كبيرة، وقد تكون ضائعة في غير ما فائدة؛ فالمراقبة حارسٌ قويٌّ يمنع الإنسانَ من التفكير في الجرائم والشرور.

وإذا راقب الإنسان ربَّه، واحترمه في خلواته أظهر الله فضله، ورفع ذكره؛ فالجزاء من جنس العمل، ومن يعمل سوءًا يجز به.

قال أبو حازم ×: =لا يُحْسِن عبدٌ فيما بينه وبين الله _ عز وجل _ إلا أحسن الله فيما بينه وبين الناس، ولا يعوِّر _ أي يفسد _ فيما بينه وبين الله _ عز وجل _ إلا عوَّر الله فيما بينه وبين العباد، ولَمُصَانعةُ وجهٍ واحدٍ أيسرُ من مصانعة الوجوه كلها؛ إنك إذا صانعت اللهَ مالت الوجوهُ كلُّها إليك، وإذا أفسدت ما بينك وبين الله شنأتك الوجوهُ كلُّها+.

وقال المعتمر بنُ سليمان ×: =إن الرجلَ يصيب الذنبَ في السر ّ، فيصبح وعليه مذلّتُه+.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت