فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 75

فهذا درس عظيم, ومنفعة مشهودة تنال من الحج, وتكتسب من خلال أيامه المباركة, تلكم هي عبودية المراقبة لله _ عز وجل _ فالمواطن والمواضع والمناسك التي تنال منها تلك الفضيلة كثيرة جدًا؛ فالحاج _ على سبيل المثال _ يعظِّم شعائر الله, والله _ تبارك وتعالى _ يقول: [ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ] (الحج:32) ، ومعنى تعظيمِها: إجلالُها، والقيامُ بها، وتكميلُها على أكمل ما يقدر عليه العبد.

ولا ريب أن ذلك الإجلال والتعظيم, إنما يكون في القلب, لا يطلع عليه إلا الله _ عز وجل _.

وكذلك ترى الحاجَّ يخلص في هداياه وقرابينه, وهو بذلك يراقب ربه، ويستحضر شهوده واطلاعه عليه، وأنه [لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ] (الحج:37) .

وكذلك ترى الحاجَّ يطوف في البيت العتيق سبعًا، ويسعى بين الصفا والمروة سبعًا, ويقف في عرفة في وقت محدد، وينصرف منها في وقت محدد,وهكذا مبيته في مزدلفة, ثم لا تراه يزيد في الجمار أو ينقص, ولا تراه يعمل عملًا من أعمال الحج في غير وقته, ولا يأتي محظورًا من محظورات الإحرام عالمًا عامدًا, وتجده إذا شك في أمرٍ ما, طفق يسأل أهل العلم هل عليه من إثم؟ وهل له من جبرٍ إذا أخطأ؟ لماذا؟ لأنه يرغب في قبول حجه, ويرهب من فساده أو رده, وما الذي يقوده إلى ذلك؟ إنه استحضار إطلاع ربه عليه.

ولا ريب أن هذا درسٌ عظيم, يبعث المسلم إلى مراقبة ربه في شتى أحواله, وسائر شؤونه، وأعماله، وأيامه؛ فالمطلع على أعمال الحج مطلعٌ على غيرها.

وبذلك يصل الحاج إلى أعلى مقام من مقامات العبادة, وأعلى مرتبة من مراتب الدين, ألا وهي مرتبة الإحسان؛ فالإحسان أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك _ كما جاء في حديث جبريل المشهور في صحيح مسلم _.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت