فهرس الكتاب
وعلى عكس هذا مَنْ هاب الخلق، ولم يحترم خلوتَه بالحق؛ فإنه على قدر مبارزته بالذنوب، وعلى مقادير تلك الذنوب يفوح منه ريحُ الكراهة، فتمقته القلوب+.
إلى أن قال ابن الجوزي ×: =قال أبو الدرداء ÷: إن العبدَ ليخلو بمعصية الله-تعالى-فيلقي الله بُغْضَه في قلوب المؤمنين من حيثُ لا يشعر+.
وقال ابن الجوزي ×: =إنه بقدر إجلالكم لله _ عز وجل _ يجلكم، وبمقدار تعظيم قدره واحترامه يعظمُ أقدارَكم وحرمتكم+ إلى آخر ما قال × في ذلك السياق في كتابه =صيد الخاطر+.
وهكذا نستفيد من الحج ومن أيامه المباركة, عبوديةَ المراقبة، فهذا شيء من ثمرات الحج، وذلك شيء من ثمرات تلك العبودية الجليلة _أعني عبودية المراقبة_ فنسأل الله _ جل وعلا _ أن يرزقنا خشيته في الغيب والشهادة، وأن يجعلنا هداة مهتدين.
فالحج مدرسة للصبر، وميدان فسيح للتدرب على هذا الخلق الكريم؛ فالحاج يتدرب عمليًا على الصبر بجميع أنواعه الثلاثة وهي: الصبر على طاعة الله، والصبر عن محارم الله، والصبر على أقدار الله المؤلمة .
فالحاج يصبر على بذل المال، وبذل الجهد البدني، ويصبر على ما يلاقيه من فراق الأهل والأولاد والبلاد والأملاك، ويصبر على ما يواجهه من إرهاق وتعب ونصب وزحام في سبيل الوصول إلى البيت العتيق، وأداء النسك، ويصبر عن ملاذه التي تحرم عليه حال الإحرام من نساء وطيب ونحو ذلك، ويصبر على ضبط نفسه عن الغضب؛ خوفًا من فساد حجه أو نقصان أجره، ويصبر على قلة النوم، وكثرة التنقل ونحو ذلك مما يصبر عليه.
وهكذا يتبين لنا عظم الارتباط بين الحج والصبر، ويتضح لنا أن الحج سبيل إلى اكتساب ذلك الخلق العظيم الذي أمر الله به وأعلى مناره، وأكثر من ذكره في كتابه، وأثنى على أهله القائمين به؛ ووعدهم بالأجر الجزيل عنده.